#adsense

80% من منابع المياه ملوّثة….ماذا يوزّع أصحاب “السيترنات”؟

حجم الخط

كتبت ناتالي اقليموس في صحيفة "الجمهورية"

خزانات غلبها الصَدأُ، غياب الفحوصات المخبرية عن الآبار، تسرّب مجاري الصرف الصحي إليها… مؤشرات جعلت الاستعانة بمياه الإستخدام الآدمي عملية محفوفة بالمخاطر. شكاوى الأهالي المتكرّرة وصرخة أصحاب المطاعم والفنادق المشكّكة في سلامة المياه في الآونة الأخيرة، تطرح عدداً من علامات الاستفهام: من أين تُعبّأ نقليّات المياه؟ من يراقب سلامتها؟ ومن يحمي المستهلك من تداعيات امتزاج المياه المخزّنة بمجاري الصرف الصحّي؟

ماذا لو كان من توزيع للأدوار بين الموزّعين ومصالح المياه؟

صامَت ليلى طويلاّ وصلّت لتنتقل وعائلتها إلى شقّتهم الجديدة في عين الرمّانة، لاعتقادها بأنّها في الطبقة الثامنة لن تسمع ضجيج السيارات وثرثرة المارة. إلّا أنّ فرحتها لم تكتمل: "نظراً إلى ارتفاع شقّتي، نادراً ما تصلني مياه الدولة، فهي تنقطع قبل أن يتسنّى للخزّانات أن تمتلئ".

تتابع بعدما ضاقت ذرعاً: "أرفع من الخنصر تأتينا المياه، لذا اعتدنا على طلب النقليات أقلّه مرّتين في الأسبوع، فلا يكفي أن ندفع فاتورتين للكهرباء، حتّى تتضاعفت كلفة المياه أيضاً".

في ضوء حاجتها المتكرّرة لمياه الاستخدام الآدمي، تؤكّد ليلى أنّ تجاربها لا تخلو من الغرابة، فتخبر: "نعيش تحت رحمة أصحاب الصهاريج، "الله يستر شو في بخزّاناتنا"، ما عدت أذكر عدد الخيبات التي مُنيت بها". وتضيف بعدما "تعلّمتُ من كيسي"، على حدّ تعبيرها: "تختلف معاناتنا مع المياه بحسب الموسم وطبيعة المنطقة التي تتمّ التعبئة منها.

على سبيل المثال، ألاحظ أنّ نكهة الملوحة تطغى في أواخر الصيف على النقليّات بصرف النظر عن مصدر هذه المياه. ولكن عموماً أتحاشى الاتّصال بأصحاب صهاريج منطقة الكولا الروشة، والمناطق المحاذية للبحر، لأنّها تترك ترسّبات كلسية على الأواني والزجاج نظراً إلى ارتفاع الملوحة فيها، وتسيء أيضاً إلى القطع الكهربائية في منزلي".

3 دقائق… "للشيطان"

من جهته، يلجأ سمير إلى وضع معقّمات في خزّان أسرته، قائلا: "يبقى الاتّكال على الله وعلى المعقّمات بمختلف أنواعها، في ظلّ السبات العميق الذي تغطّ فيه الدولة، وغياب البدائل الأخرى". ويتابع ساخراً: "أوّل 3 دقائق للشيطان، أعني أنّه يصعب استخدام القطرات الأولى، لا بدّ من ترك المياه تجري لدقائق معدودة ريثما يتحسّن لونها ويخرج منها التراب".

"أصحاب السيترنات ما إلُن إله، بيستَقربو وبيستَرخصو"، بنبرة غاضبة يعرب طارق، صاحب أحد المقاهي في منطقة الحمراء، عن امتعاضه الشديد من أصحاب صهاريج المياه، قائلا: "طبيعة عملنا تملي علينا تقديم الخدمة إلى الزبائن بأعلى مستوياتها، وغالباً ما نحتاج إلى تعبئة الخزّانات نظراً إلى حاجتنا المتكرّرة لمياه الاستخدام، لذا نستعين بالنقليّات".

ويتابع موضحاً: "لا يكفي الاعتماد على الفيلترات والمعقّمات في المطعم، لا بدّ من فحص المياه المنقولة قبل تفريغها". في هذا السياق، لا يخفي طارق أنّه اضطرّ أكثر من مرّة للطلب من صاحب الصهريج أن يعود أدراجه، "نظراً إلى رائحة الزنخة في المياه".

سؤال أزعج أصحاب الصهاريج

هل يتمّ فحص المياه قبل توزيعها على المستهلكين؟ تعدّدت الإجابات وانقسمت الآراء، إلّا أنّ ردود الفعل واحدة، إنزعاج، تململ، تغيّر في ملامح وجوه موزّعي المياه، المتمسّكين بعبارة "ميّتنا بيِنحَلف وحياتها".

من جهته، يعترف إيلي: "ما حدا بيقول عن زيتاتو عِكرين"، مشيراً إلى أنّ صاحب الصهريج غالباً ما يدافع عن مصدر العين التي يعبّئ منها، بصرف النظر عن جودتها، مستنكراً في الوقت عينه تحميل الموزّعين مسؤولية سلامة مياه الاستخدام الآدمي، قائلاً: "يشتكي بعض الأهالي وكأنّ المياه التي ترسلها الدولة إلى منازلهم مقطّرة، فالمشكلة لا تكمن في المياه التي ننقلها لهم، إنّما في خزّاناتهم الملوّثة بالجراثيم نتيجة مياه الدولة".

أمّا طلال الذي يعمل منذ أكثر من 15 عاماً في توزيع المياه لأهالي الاشرفية، فرن الشباك، عين الرمّانة، وغيرها من المناطق اللبنانية، فيؤكّد أنّه لا يذكر المرّة التي رأى فيها أيّ جهة رسمية تفحص منابع المياه التي يقصدها، بين التحويطة، الجديدة، الدكوانة.

ويقول: "من جهتنا نفحص المياه بطريقة عفوية ووسائل بدائية، وطالما تبدو صافية، لا رغوة بيضاء، ولا حشرات، ولا تثير رائحتها الحساسية، ومذاقها مقبول، يعني أنّ المياه جاهزة للاستخدام".

أمّا السؤال الأصعب الذي كان كفيلاً في رفع نسبة التوتّر بين الموزّعين، وأغرقهم في صمت عميق، فكان، متى آخر مرّة نظّفت فيها صهريجك؟ من جهته، لا يكلّف علي نفسه عناء تنظيفه، قائلاً: "لشو! مش عم يفضى لغسّلو"، معتمداً على سياسة "أنّ المياه تتبدّل في الصهريج على الدوام، فلا يبقى فيه ترسّبات".

أمّا نديم فيعتمد على سرعة ضخّ المياه، في سحبها ونقلها، قائلا: "نسحب المياه بسرعة مهولة، فضخّها ينظف الصهريج ولا يسمح لأيّ مخلوق صغير بأن يعتاش على سطح المياه".

في حين يعزّي رياض نفسه قائلا: "لست من جماعة الذين يسحبون من مياه البحر ليوزّعوها ويبيعوها بعد إجراء تعديلات طفيفة عليها للتمويه، لذلك يبقى صهريجي نظيفاً، لا رغوة فيه ولا ترسّبات كلسية على جوانبه".

80% من منابع المياه ملوّثة

بعد الجولة الميدانية، توجّهنا إلى مختبرات RBML في الشويفات، المتخصّصة في كشف التلوّث الجرثومي في الغذاء والمياه. وفي حديث مع المدير رامي خضر، يلفت إلى أنّ "معظم الينابيع التي تتمّ التعبئة منها، خصوصاً المحاذية للشاطئ اللبناني، والتي لا ترتفع 300 متر عن سطح البحر، آبارها متداخلة مع مياه البحر ومع مجاري الصرف الصحّي، حيث تنتعش الجراثيم البرازية".

ويضيف: "في ضوء مختلف العيّنات التي وصلتنا في الأعوام الأخيرة، تبيّن لنا أنّ 80 في المئة من مصادر المياه ملوّثة، لا سيّما البرك التي تلامس أرضها التربة، من دون وجود أيّ فاصل أو عازل، لذلك لا تُعتبر صالحة إلّا للزراعة وغسل السيارات".

ويحذّر خضر من الإفادة من المنابع القائمة بين الوحدات السكّانية، "حيث تتداخل المياه مع المجارير". وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ بعض العينات التي حملناها معنا من أجل فحصها، وتحديداً عيّنة في منطقة سنّ الفيل، تبيّن أنّها ملوّثة.

"وما يزيد الطين بلّة"، على حدّ تعبير خضر، "طبيعة السيترنات التي يتمّ فيها نقل المياه"، فيحذّر قائلا: "بصرف النظر عن الموقع الجغرافي لمصدر المياه، تؤدّي وسيلة نقلها دوراً أساسيّا، فمعظم الموزّعين يعتمدون على سيترنات من ألواح حديد "ملحّمة"، حيث تتضاعف فيها الجراثيم تحت وطأة الشمس، عوض أن تكون من "ستانلس ستيل".

كما يلجأ بعضهم إلى شراء براميل بلاستيك سبق أن استوردتها شركات في نقل مواد كيميائية وتنظيفية وما عادت في حاجة إليها، وهذه الخزّانات لا تصلح قطعاً بأيّ شكل لنقل المياه".

في السياق عينه، يعتبر خضر أنّه "لا يكفي إلقاء اللوم على أصحاب السيترنات، فالدولة تتحمّل جزءاً من المسؤولية، لأنّ أيّ شبكة في الأرض، يزيد عمرها عن السنوات العشر، تُعتبر تالفة وتعاني من تآكل قساطل المياه التي تبدأ بإصدار السموم، فترتفع خطورة إمكان تسرّب مياه الصرف الصحّي إليها".

أبعد من شحّ في المياه… "كارتيلات"

من جهة أخرى، يصعب على خضر إخفاء استغرابه من وجود نيّة في عدم ملاحقة قضيّة سيترنات المياه في لبنان، قائلا: "لا شكّ في أنّ البلديات تتحمّل جزءاً كبيراً من الإشراف على سلامة منابع المياه الواقعة تحت سلطتها. إلّا أنّ تجاربنا أكّدت لنا وجود نيّة في إبقاء المسألة متروكة، نظراً إلى تشابك المصالح حولها وتداخل السياسة فيها". ويروي خضر واحدة عن هذه التجارب: "تقدّمنا بطرح إلى وزارة الطاقة والمياه العام المنصرم، نقترح فيه إعداد دراسة حول الآبار والمياه الجوفية على كامل الاراضي اللبنانية، بالتعاون مع شركة بريطانية.

كانت لدينا النيّة في فحص المياه الجوفية على مدار الفصول الاربعة، وأكّدنا أنّ هذه الدراسة التي تكلّف نحو 135 ألف دولار هي على نحو هبة، لا تكلّف الدولة شيئاً، إنّما يجب على كلّ بلدية التزام تقديم 45 عينة من المياه. المؤسف أنّنا لم نلقَ أيّ تشجيع من الوزارة، أكثر من ذلك طُلب منّا التوقف عن البحث في هذا الموضوع".

أين حماية المستهلك؟

"مياه الشرب لا تتم مراقبتها رسميّا، ولا حتى التأكّد من صحّتها، فكيف بالحريّ مياه الاستخدام؟"، سؤال طرحته بأسى مسؤولة قسم مراقبة وسلامة الغذاء في جمعية حماية المستهلك المهندسة ندى نعمة، مشيرة إلى قلقها من الفوضى العارمة المحيطة بعملية توزيع المياه إلى المنازل من دون حسيب ولا رقيب.

وفي حديث إلى "الجمهورية"، تقول ندى: "منهم من يعتبر مياه الاستخدام من الكماليّات فلا يقدّر أهمّية استخداماتها، مع العلم أنّها تلازم المرء في أدقّ تفاصيل حياته اليومية (مأكل، ملبس، إستحمام…)، ممّا ينعكس مباشرة على صحته"، مؤكّدة أنّ "مياه الاستخدام يُستحسن أن تكون صالحة للشرب، وتتمتّع بمعايير السلامة العامة".

لا تخفي ندى أسفها لتعرّض المواطنين "للابتزاز من الموزّعين ومصالح المياه التي تتلكّأ في متابعة الأعطال بذريعة تداخل المسؤوليّات مع وزارات أخرى، إلى حدّ قد يلجأ الموزّعون إلى أخذ المياه من المصالح وبيعها إلى الزبائن بأسعار، نادراً ما تكون منطقية".

وعن نصيحتها إلى المستهلكين، تقول ندى: "لا بدّ من اللجوء إلى وسائل التعقيم المتوافرة والفيلترات، وفي الوقت عينه عدم التردّد في استشارة جمعية حماية المستهلك أو التوجّه إلى أقرب مختبر للتأكّد من صحة المياه".

"تأمين الكهرباء"، "إقرار سلسلة الرتب والرواتب"… وغيرها من الملفّات التي ما عادت مجرّد مطالب مُحقّة للبنانيّين، إنّما تأشيرات عبور لعدد من السياسيّين التوّاقين إلى حجز مقعد في دورة الانتخابات المقبلة. ألا يستحقّ إدخال ملفّ المياه في هذه الرهانات، أم أنّه ورقة لوتو، "أنجأ تردّ حقّها"، على حدّ تعبير أحد النوّاب؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل