لماذا يأتي البابا، الغربي المولد، متخوفاً على مصير أبناء الشرق الأولين، فيما لا يطرح أحد قلقاً ولا خوفاً على الشرقيين الذين هاجروا إلى الغرب، ولا يتوجه "بابا" مسلم إلى إحدى عواصمه، لحض أهله على حماية الأقليات لديهم، أي المهاجرين المسلمين؟
ليس لأن لا قيادة روحية عليا لدى المسلمين، أو أن شيخ الأزهر لا يرغب في دور كهذا، بل، وبتبسيط، لأن اغلب دول هذه المنطقة لا يحمل من مواصفات الدولة سوى الإسم، ولأن قوة الدولة، أي دولة، تنشأ من تسليم مواطنيها لها بجزء من حرياتهم، لمصلحة قوانين تحفظ مصالحهم، أفرادا وجماعات، وتفضي، بالإنتخاب الديموقراطي، إلى تكوين سلطة تطبقها بمساواة، في الحماية والردع والعقاب، بما يعطي رابطة الجنسية قوتها القانونية والسياسية والإجتماعية بين الفرد والدولة، وفي مواجهة الخارج.
ففي الشرق، تواجه رابطة الجنسية، وهي المواطنية، أشكالا بائدة من الروابط، كالعشائرية والمناطقية، والأهم الرابطة الدينية، ولبنان نموذج اوضح من غيره، وهو ما عاشته أوروبا في أزمنة سابقة، لا تقل عن قرنين وابعد. أليس لافتا أن تطغى الصبغة الطائفية والمذهبية على كل الخطب السياسية، وأن يتحدث هذا وذاك عن أخوة كل فريقين معا، وكأنهما يتآمران على الآخرين، ثم لا يلبث أحدهما أن يلتقي ثالثا فيكرر وإياه الكلام نفسه مع إحلال إسم طائفة مكان أخرى؟
تتوه رابطة المواطنية في المشرق والمغرب العربيين بين الدين والقومية والنَسب العائلي، وتكاد تكون الأضعف بينها، فتعطي حديث المخاوف على الأقليات، الدينية والقومية، ومصيرها بعدا يجعل "المسألة الشرقية" حاضرة في الذاكرة. يزيد في المخاوف جنوح بعض الاتجاهات الاسلامية الحزبية في بعض دول الربيع العربي إلى محاولة فرض رؤية آحادية على مجتمعاتها، تتجاهل الحريات التي يصونها الدستور، وتدوس القوانين، كما حال تونس، وتحول الديموقراطية التي أوصلتها إلى الحكم، طريقا إلى ديكتاتورية دينية تجعل الترحم على حكم بن علي واجبا وطنيا.
لا يقصد كبير شيوخ المسلمين الغرب ليسكت مخاوف الأقليات المسلمة على مصيرها، أولا لأن دولة القانون، حيث تقيم، تحميها، ولأن رابطة الجنسية والمواطنية تحضنها، والمثال تضامن المجتمع المديني في مواجهة صعود اليمين السياسي المتطرف، وتنامي العنصرية العرقية أواخر القرن الفائت.: لم تندلع حروب اهلية، ولا نشأت أجنحة عسكرية، عائلية أو مناطقية. والسبب قوة القانون ورابطة الجنسية الوطنية التي تعطي الدولة سلطتها وهيبتها.
لبابا روما أن يزور رعيته في أي بلد لأن رسالته الدعوة إلى تعزيز الإيمان المسيحي.
وحده الشرق يأتيه البابا لدعوة إضافية هي حض مسيحييه على البقاء في أرضهم.
يوحنا بولس الثاني فعل الأمر نفسه قبل 15 عاما.
السبب، أن لا دول حقيقية فيه تحميهم. ولا تحمي غيرهم، أساسا.