مواقف سليمان الحادّة من الأسد وتحرّكات الدولة لتثبيت الأمن مؤشّران لمرحلة جديدة
تآكل النظام السوري فرصة لإخراج لبنان من عصر الوصاية والفوضى لاستعادة هيبة الدولة
لا يمكن فصل المداهمات في طرابلس والرويس عمّا يحدث من تطورات على الساحة السورية
لا شك أن مواقف رئيس الجمهورية ميشال سليمان العالية السقف تجاه الرئيس السوري بشار الأسد شخصياً على خلفية عملية إلقاء القبض على الوزير السابق ميشال سماحة من قبل شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي بالجرم المشهود في محاولة تنفيذ مخطط تفجيرات إرهابي خطير بالإشتراك مع مسؤولين سوريين كبار لاستهداف الأمن والاستقرار وإثارة الفتنة بين اللبنانيين، تؤشر لمرحلة جديدة من التعاطي مع نظام الأسد تختلف عن مرحلة السنوات السابقة التي تميّزت بمسايرة ملحوظة والابتعاد عن كل ما يؤدي الى الجفاء والتنافر بين البلدين، بالرغم من تمادي الأسد في مد أياديه من جديد للهيمنة وإبراز تأثير نظامه في الواقع السياسي اللبناني والتدخل بالشؤون الداخلية اللبنانية، تارة من خلال فرط الحكومة، كما فعل بحكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري وتشكيل أكثرية نيابية قسرية جديدة بالترهيب والإتيان بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي الحالية باتفاق تم علناً في دمشق بإشراف مباشر من الأسد شخصياً، أو حتى بإصدار مذكرات توقيف سورية مفبركة بحق أكثر من ثلاثين لبنانياً مقربين من الحريري، وتارة أخرى بمحاولة مصادرة القرار السياسي اللبناني في مسائل وقضايا هي من اختصاص السلطة اللبنانية دون غيرها من الدول الأخرى على اختلافها.
ولعلّ مواقف رئيس الجمهورية هذه التي كررها أكثر من مرة وبحدّة أقوى تجاه الأسد كما حصل يوم السبت الماضي في عمشيت، لم تكن لتأخذ هذا المنحى المتقدّم والقبول لدى أكثرية اللبنانيين الذين يتذمرون من تدخل النظام السوري في الشؤون اللبنانية، لولا وصول الامور الى نقطة حساسة جداً، اصبحت فيه تهدد امن لبنان واستقراره كلياً وتنذر بإعادة استعماله كساحة لنفوذ النظام السوري، إن كان لتصفية حساباته مع خصومه السياسيين، او لاعادة تعويم نفسه من انتفاضة الشعب السوري التي باتت تهدد وجوده واستمراريته اكثر من اي وقت مضى، وبالتالي لم يعد السكوت على ما يحصل من اعتداءات يومية ومتكررة على الاراضي اللبنانية او بمحاولة اشعال المناطق اللبنانية لحساب النظام المذكور إن كان في طرابلس او غيرها ممكناً، وأخيراًوالأهم من كل ما سبق، تسارع وتيرة تهالك النظام الأسدي بفعل فشله الذريع بقمع الانتفاضة الشعبية أمنياً وتفكك كل مقومات الدعم الاقليمي والدولي لاستمراريته وتصاعد حدة المواقف العربية الجامعة ومعظم دول العالم ضد استمراريته في السلطة لحكم سوريا وظهور علامات فارقة وتحركات ملموسة لدعم الثورة الشعبية السورية باتجاه اسقاط النظام نهائياً.
ويلاحظ ان رئيس الجمهورية تقدم على الحكومة في مواقفه هذه لاستحالة صدور موقف موحد عن الحكومة تجاه التعاطي مع الاسد والنظام السوري عموماً على خلفية قضية سماحة، لوجود اطراف من «حزب الله» والتيار العوني وحلفائهم داخل الحكومة، يعارضون صدور مثل هذه المواقف التصعيدية ضد النظام السوري مهما كانت الادلة ثابتة والمضبوطات الجرمية بحقه موجودة، كما دلت الوقائع والمواقف اللاحقة بخصوص هذه القضية فيما بعد، فأصبح رئيس الجمهورية متقدماً على الحكومة بشوط كبير في هذا الملف خلافاً لما هو مفترض في مثل هذه الحالات التي توجب ان يصدر موقف عن الحكومة مدعوماً من رئيس الجمهورية.
ولا يمكن فصل خطوة المداهمات التي نفذها الجيش اللبناني في طرابلس ولو كانت جزئية او في منطقة الرويس بالضاحية الجنوبية وهي لاول مرة تحدث في هذه المنطقة، عما يحدث من تطورات متسارعة على الساحة السورية وبالتزامن مع المواقف المتقدمة لرئيس الجمهورية تجاه الرئيس السوري بشار الاسد.
وبالرغم من المواقف المؤيدة والداعمة والاحتضان السياسي والشعبي لما قاله رئيس الجمهورية بهذا الخصوص وتحركات الجيش لاستعادة هيبة السلطة وتثبيت الأمن وإطلاق سراح المخطوفين السوريين والأتراك، بعد التراجع الكبير في الوضع الأمني وانحلال سلطة الدولة وعمل المؤسسات على اختلافها واستباحة قطع الطرق وشل حركة المواطنين وتنقلاتهم، ليس كافياً أن يتم الاكتفاء باطلاق مواقف حادّة ضد تصرفات النظام السوري ضد لبنان أو حصر التحرك الأمني للجيش بموضوع المخطوفين وإطلاق سراحهم وتنفيذ مهمات محصورة بمناطق معينة فقط، بل يجب أن يُبنى على مواقف رئيس الجمهورية المتقدمة من التعاطي مع النظام السوري والدولة السورية عموماً بخطوات حكومية تتخذ في مختلف مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية والقضائية على حد سواء، لتشكل نهجاً جديداً للدولة اللبنانية على كل المستويات، ولكي تتحرك بنمط جديد يلبي تطلعات أكثرية الشعب اللبناني وتطلعاته باستعادة هيبة الدولة اللبنانية التي شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال الأشهر القليلة الماضية بفعل الأداء السيئ للحكومة وعدم قدرتها على تجاوز هيمنة «حزب الله» و«النظام السوري» على قرارها السياسي في العديد من المسائل والقضايا والأمور الداخلية والخارجية على حد سواء.
ولا شك أن التعاطي السياسي الجديد لرئيس الجمهورية من العلاقة مع النظام السوري واستتباعه بموقف لاحق من رئيس الحكومة والآخرين والتحركات العسكرية والأمنية الهادفة إلى تثبيت الأمن والاستقرار، كلها تشكّل فرصة مؤاتية أمام المسؤولين جميعاً لإخراج لبنان من مؤثرات مرحلة الانحلال السلطوي وتآكل هيبة الدولة، والدخول بجدية في مرحلة قيام الدولة بفاعلية كي تُلبّي تطلعات أكثرية اللبنانيين وتعطيهم الأمل بقيام الوطن بعد طول تعثر، وجميع المسؤولين أمام الامتحان الصعب هذا