
كتبت كارلا خطار في صحيفة المستقبل:
يكاد يكون رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون الأوحد، من بين اللبنانيين الذين تحمّلوا "فصول" النظام السوري في لبنان، في تأمين الدعم له. فهو طبعاً لم يكن في لبنان، ولم يُلاحق أو يعذّب ولم يعانِ كالشباب في يوم 7 آب مثلاً على يد النظام الأمني المخابراتي السوري ـ اللبناني.
منذ أسبوع بالتمام، وفي يوم ثلثاء أعلن عون من الرابيه أنه "لم نكن يوماً مع النظام السوري".. وبعد أيام أعلن أنه لم يكن مع النظام ضدّ الشعب. وفي الأسبوع عينه، تراجع الجنرال عن كلامه قائلا": "تغيير النظام في سوريا قد يقضي علينا وعلى لبنان لأن الانظمة التي ستأتي تفكيرها يرجع الى أربعة عشر قرناً". فهل أعاد الجنرال النظر في كلامه وراجع حساباته؟ وهل أوعز إليه رأس النظام السوري أو أحد "مراسليه" في لبنان بـ"التغيير" أم بالتهديد والوعيد والإكراه؟ ولماذا يصرّ عون على ربط النظام السوري بالدولة اللبنانية؟
بدءاً من شعار التيار الذي يتزّعمه "صح"، لطالما كانت تصريحات عون ملتبسة وتحتمل التأويل. أما في حال وضوحها، وهذا نادر، يعمد الجنرال إلى تغييرها في زمن لا يتعدّى الأيام. شكلياً، ليس هناك ما يربط النظام بالدولة هنا.. ألا تشمل سياسة النأي بالنفس التي تتّبعها الحكومة والتي يشارك فيها عون خطة عدم الارتباط؟ طبعاً لا، هذا ما تؤكده الممارسات.. فلو كان عون مقتنعاً بالنأي لما ربط بين الدولة والنظام حيث يطالب الشعب السوري بدولة لا يحكمها النظام المخابراتي الذي كان يحكم "العونيين" طيلة فترة نفي الجنرال إلى العاصمة الفرنسية.
لكن مهلاً.. يحقّ للجنرل أن يغضب من تغيير النظام في سوريا إن كان كما يقول في تصريحه "قد يقضي علينا". هنا أيضا يلتبس المعنى، فكلمة "علينا" قد تعني "التيار الوطني الحرّ" أو المسيحيين أو قوى 8 آذار و"التيار" منها.. منطقياً، من الطبيعي أن يقضي تغيير النظام على قوى 8 آذار المرتبطين أصلاً به أو هم في الواقع "فرع" منه في لبنان. أما إذا كان يقصد المسيحيين، فمستحيل أن يقضي تغيير النظام عليهم "وكأن تاريخ المسيحيين هو من تاريخ الديكتاتوريات" على حدّ قول رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع. هذا فضلاً على أن عون لا يختصر بشخصه المسيحيين في لبنان، وبما انه "جنرال" فليس عليه أن يخاف على طائفة ويتحامل على أخرى، فعليه المساواة بين كل الطوائف.. فهل فاته أنه كان قائداً للجيش اللبناني اللاطائفي؟
بقي احتمال واحد هو "التيار الوطني الحرّ" وهو بحسب التحالفات "سهم" من "الفرع" أي من قوى 8 آذار.. احتار الجنرال بأمره، لكنّه لم يحيّر أحداً معه ممن يعرفون أنه كالروليت الروسية.. أما من احتار، وعلى الأرجح أنه ينتمي الى "التيار"، فعليه أن يتحمل خطورة لعبة الحظ المميتة التي يسدّ عون غالبية فراغاتها.. ثم يقوم بتدوير الأسطوانة وتنطلق الرصاصات. فمن سيقضي برصاص النظام ومن سينجو في اللحظة الأخيرة؟
"المؤكد أن عون لم يحكّم عقله في أي من مواقفه الثلاثة في أسبوع واحد"، يقول عضو المكتب السياسي لتيار "المستقبل" مصطفى علوش، ويتابع: "الموقف الأول هو محاولة للتنصل من نظام ساقط ولمحاولة تلميع صورته أمام جمهوره.. تلاه "فركة أذن" من حلفائه وربما من النظام السوري الذي رعاه". ويضيف: "مواقف الرجل لا علاقة لها بالتعقّل أو العقل وعلى ما يبدو فهو يتّخذها مجبراًً أو في بعض الأحيان لمصالح معيّنة".
ومن سيتضرر من مواقفه؟ يجيب علّوش: "الجماعة المؤيدة لعون هي إما مجموعة "موتورة" وحاقدة، وإما مأخوذة فيه ومغرّر بها، أو مجموعة تنتظر الحصول على بعض المكاسب ولا دور لها في مكان آخر". وختم: "هذه المجموعة أصبحت تعرف وقائع الأمور ولم يعد أمامها مجال آخر لتغيّر مواقفها".
من جهته، رأى مستشار رئيس حزب "القوات اللبنانية" العميد المتقاعد وهبة قاطيشا أن "عون ربما يقصد البلد بكامله.. لكن مهما كان قصده، فسياسته متجذّرة في تخويف الناس، وهكذا فعل منذ 25 سنة". ويوضح: "نحن لا نخاف أحداًً، وجيش النظام السوري لم يُخِفنا عندما كان محتلاً في لبنان وتمكنّا مجتمعين في قوى 14 آذار من إخراجه، فهل يخيفنا وهو في سوريا؟". ويتابع: "عون يتّكل على التهويل ليحقن جماعته ويجمعهم حوله كأنه منقذهم، وهو الذي لطالما ساقهم نحو الهاوية والانتحار".
من هنا، يخلص قاطيشا الى أن "سياسته لا يمكن لها أن تقوم على البناء أو تراكم العمل الخيّر، وإن كان خائفاًً فعلاًًًً فليحزم حقائبه مع قوى 8 آذار المعجبين بنظام الأسد الديكتاتوري ويعيشوا معه ويناضلوا إلى جانبه رحمة بالناس." ويعقّب: "الجنرال يدعم النظام على الرغم من معاناة تياره أثناء الاحتلال، لأنه لم يأخذ يوماً قراراًً صائباً، وهو كيفما فكّر وقع في الخطأ أو فكّر بالعكس". ويشرح: "كان يريد إخراج النظام السوري من لبنان ولم يكن الأمر بيده، وعندما خرج الجيش السوري أصبح من داعميه بخلاف اللبنانيين. كذلك، كان يريد ضرب ميليشيا القوات في عصر الميليشيات، واليوم وبعدما بُنيت الدولة واستفردت بها ميليشيا واحدة تحوّل عون إلى دعم تلك الميليشيا".
ويلفت إلى أن "عون يسير دائماً بعكس السير، وأن العونيين هم أكثر المتضررين لأنهم لم يهتدوا حتى اليوم وتحديداً في السياسة حيث تتجسد مقولة "لا تجادل عونياً"، وكلّهم مرتبطون بخشبة خلاص ستغرق لا محالة". ويختم قاطيشا: "عون يعيش على التناقضات، فإن تحدث في الإيجابيات سيُفتضح أمره، والدليل أنه أشبع الدولة شتماً عن السرقة والنهب، وحين استلم الإصلاح والتغيير الوزارات اتّضح أن سياسته فساد، ولو حكم في بلد آخر لكان الشعب اكتشفه منذ اليوم الأول".