"ليست الألقاب هي التي تكسب الناس مجداً، بل الناس هم الذين يكسبون الألقاب مجداً " ( ميكافيللي)
إذا كان رئيس الجمهوريّة يسير ببطء، وهذا منتهى الحكمة والحذر، غير أنّه لا يسير الى الخلف أبداً. فهو يعلم أنّ الحقيقة وجهتها أماميّة، ويعلم أيضاً أنّه كلّما زادت الحقيقة وضوحاً على يديه، ازداد أعداؤه وأعداؤها معاً. وكأنّي بالرئيس، في تماسك مواقفه وجرأتها، طبّق قول "غاندي": "أوّل الحكمة أن تعرف الحقّ، وآخر الحكمة ألاّ تعرف الخوف".
في ظلّ الحصار الذي فرضته القبائل على الألسنة والفكر، كان الثّبات في الموقف مغامرة، لا بل مخاطرة وبإصرار. وكان الثّابت بالتالي يسطّر ملحمة حيّة تشكّل حلقة اتّصال بين الخطر والخلود، وهذا أداء الرّجال. لقد رفض الرئيس أن يقام حفل تأبين للسيادة، في حين نثر السلطويّون رمادها على الحدود المنتهكة، وكأنّهم يسلّمون صكّ المدينة للفاتح.
هو يعلم أنّه يصارع في بحر هائج، ولكن بنجاح، فالبحر الهادئ لا يصنع بحّاراً ناجحاً. وبالرّغم من أنّ الإنصاف يدرج مواقف الرئيس في خانة الوفاء بالقسم، يعتبرها مشلولو الولاء خيانة. أرادوا أن يلزموا الرئيس بالممنوعات المستوردة، حفاظاً على ركام الأخوّة وصوناً لحبر المعاهدات الملوّث بصواعق الموت. ممنوع عليه أن يكون استثنائيّاً في لائحة الرّاكعين الخامدين الذين لا يرتجّ عليهم تذكّر كرامتهم، وممنوع عليه أن يتخم تاريخه بلحظات الإباء المختومة بالدّفاع عن حقّ الوطن بالحقّ، وممنوع عليه أن تعقد له أقواس المبايعة الوطنيّة فيصبح مقلقاً لمسيّبي الأرض ولمغتصبي شرفها. لكنّهم لا يعلمون أنّ جرعة العزم لديه متماهية مع الأمانة، وأنّ الأصالة في عزّة نفسه يبدأ خطابها بأنّ أحداً لا يستطيع امتطاء ظهرك إلاّ إذا كنت منحنياً.
يخطئ من يحسب أن لا ربيع متجدّد في لبنان، على المستوى الرسمي. فمواقف الرئيس انتفاضة صنعت مفصلا، بل هي ثورة بيضاء أثرت الشعور بالإنتماء الى الكرامة، وهي نطق صواب محصّن بسلوك لا يتنفّس إلاّ إباء. من هنا، فصموده في مواقفه تجاوز جدّي، ومكتسب أبعد عن السيادة شهقة الموت، وجائزة كبرى فاز بها حلم الشعب المنهك.
فيا فخامة الرئيس، الرجال العظام، وأنت منهم، ليسوا بحاجة لغير إسمهم.