كتب كمال ديب في "النهار":
قد يرى المراقب أنّ ما يستطيعه الفاتيكان هو عمل روحي، ولكن الواقع أنّ لديبلوماسية الفاتيكان وأعماله وقعاً دولياً في غاية الأهمية، وأنّ عبر الأنشطة الدينية التي يستثمرها كانت تصعد دولاً وتسقط دولاً، وكان يتأثّر باتجاهات الفاتيكان مئات ملايين البشر في كل القارات. فالفاتيكان لا يملك ألوية عسكرية يرسلها لانقاذ الكاثوليك بل يستعمل سلاح الايمان الذي بدا في تجارب كثيرة ليس أقلّ فعالية في التأثير السياسي (كما حصل في بولندا مثلاً).
الفاتيكان ولبنان منذ أقدم العصور حتى 1975
تمتدّ علاقات لبنان مع الفاتيكان عميقاً في التاريخ، وبعد الفتح الاسلامي في القرن السابع، حافظ مسيحيو المشرق على علاقات حميمية ووثيقة مع الامبراطورية البيزنطية، وساعدوا مساعيها المتكررة لاستعادة سلطتها في المنطقة. كما أنّ الموارنة ومسيحيين آخرين ساهموا في حملات مكنت البيزنطيين من اعادة السيطرة العسكرية المؤقتة على شمال سوريا ووادي العاصي، وأحياناً وصولاً إلى البقاع وغوطة دمشق. في تلك الحقبة تعرّض الموارنة لاضطهاد البيزنطيين لاختلاف في العقيدة المسيحية، إلا أنّ الروابط مع أوروبا الكاثوليكية تعمّقت في المرحلة الصليبية (1099 الى 1291) وعقدت لقاءات عدة بين المبعوثين البابويين من روما والكنيسة المارونية في الحقبة من 1100 الى 1139. وفي العام 1180، اعترف الفاتيكان بالموارنة كأخوة في الدين، ما مهّد الطريق في ما بعد الى توثيق الصلة بين الموارنة والكثلكة. وفي العام 1203، عيّن البابا مبعوثاً له في مدينة طرابلس شمال لبنان فاستمرّ اللقاء.
بدأ الرباط الرسمي والدائم بين الموارنة وروما العام 1215 حيث سمّى البابا إنوسنت الثالث ارميا العمشيتي بطريركاً لأنطاكيا وسائر المشرق على "الأمّة المارونية". وتسهلت سفريات الوفود المارونية الى روما فزار العمشيتي الفاتيكان العام 1215. وفي العام 1231، اختلف رجال الدين الموارنة حول تسمية بطريركهم الجديد بعد رحيل العمشيتي، وطالبوا من الفاتيكان التدخل، ما سمح لتدخلات مستقبلية من الفاتيكان في شؤون الموارنة، فتمت تسمية دانيال الشاماتي بطريركا جديدا.
افتتحت مدرسة مارونية في روما العام 1584 وبدأ تقليد تعيين سفير للفاتيكان في لبنان والمشرق، و اشهر هؤلاء في عهد الامير فخر الدين المعني الثاني في جبل لبنان (1592 الى 1535) كان الاب دنديني الذي اقترح على البابا ان "يأخذ الامة المارونية تحت جناحيه ويجعلها باب روما الى المشرق".
وفي العام 1946 عمل ميشال شيحا على تأسيس علاقات ديبلوماسية بين لبنان والفاتيكان، التي بدأت العام 1947 عندما جرى تبادل السفراء وكان المبعوث الرسولي الأول المونسينيور مارينا. وسمّى لبنان شارل حلو سفيراً له في الفاتيكان. لقد رأى الفاتيكان لبنان كمنبر مميّز لتوسيع رقعة العلاقات الطيبة بين العالم الكاثوليكي والاسلام، واغتنم البابا بولس السادس فرصة مروره في بيروت في طريقه إلى بومباي في الهند في كانون الأول 1964 ليعلن أهمية لبنان كنموذج للتعايش السلمي. ومع اندلاع أعمال العنف في لبنان العام 1975، تعمّق اهتمام الفاتيكان بقضية لبنان وسعيه إلى تحقيق السلم. حتى إذا زار الرئيس الأميركي البابا بولس السادس كان موضوع لبنان في أول جدول المباحثات، وتبيّن أنّ مستشاري الرئيس جيمي كارتر أحاطوه علماً أنّ لبنان يلقى اهتماماً خاصاً في دوائر الفاتيكان. والعام 1977، أثناء تطويب القديس مار شاربل مخلوف، خاطب البابا بولس البطريرك الماروني بطرس خريش بقوله "إنّ كنيستكم هي مجد لبنان".
البابا يوحنا بولس الثاني ولبنان
عندما تبوّأ البابا يوحنا بولس الثاني مركزه في 16 تشرين الأول 1978 كان لبنان قد دخل عامه الرابع من الحرب. وفي يومه الأول في منصبه الجديد ذكر البابا لبنان ومأساته وأهميّته بالنسبة للفاتيكان و"مصير هذه الأرض العزيزة لبنان التي نتمنى لها السلام والحرية". وبعد أسبوع كان الرئيس اللبناني الياس سركيس من بين المدعوين القلائل الذين حضروا احتفال تبّوؤ البابا. وفي كانون الأول 1979، جاء في كلمة البابا في الأمم المتحدة "الحاجة لتعديل الدستور اللبناني الذي تفرضه أحداث لبنان". وفاق مجموع تصريحات وخطابات البابا حول لبنان بين 1978 و1990 الـ200 وهو ما لم يحصل في تاريخ الفاتيكان بالنسبة لدولة واحدة. كما وجّه البابا رسائل إلى مسلمي العالم للمحافظة على لبنان كرمز فريد للتعددية والتعايش: "ثمّة بين الاسلام والمسيحية بعض من القيم الانسانية والروحية ومنذ بداية عهده، خصّ البابا يوحنا بولس الثاني لبنان بفريق عمل يتابع الوضع ويساهم في تحقيق السلام. فقام موفده بزيارة لبنان وسوريا ودول اخرى مرارا، ومنهم كرادلة، مثل باولو برتولي واغوستينو كاسارولي وروجيه اتشيغاري واشيلي سلفستريني ولويجي غاتي والاسقف جان لوي توران. ساهم هؤلاء في دعم معنويات المسيحيين والتفاهم مع زعماء الطوائف الاخرى وتقديم المساعدات لقرى وبلدات مسيحية كانت معرضة للخطر (في جزين ومشغرة وزحلة مثلا). وشدد المبعوثون على ان روما لا ترغب ابدا في ان يعيش مسيحيو المشرق في "غيتوات" مغلقة على جيرانهم المسلمين، واعين الى تأسيس علاقات متفاعلة مع الاسلام، وانه طالما اتخذ بابوات روما لبنان كنموذج يحتذى به ضمن مساعيهم للتفاهم داخل دول متعددة الديانة حيث يوجد رعايا كاثوليك، وان من مصلحة الكنيسة العليا ان يبقى لبنان جسرا حيويا بين الغرب المسيحي والعالمين العربي والاسلامي.
وعشيّة أزمة انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعدما وصل عهد أمين الجميل إلى نهايته، أرسل البابا نداءً إلى البطريرك صفير يشدد فيه على أهمية المحافظة على السلطة الشرعية في لبنان، وأنّ "عدم انتخاب رئيس سيهدد بشكل خطير مستقبل لبنان… "وكان هذا النداء بدء التدخّل المباشر للفاتيكان في لبنان بمثابة إصدار تعليمات للبطريرك صفير بأولوية انتخاب رئيس للجمهورية. لقد أثارت الصدامات المسيحية الداخلية مع الفاتيكان، ما أدّى إلى دق ناقوس الخطر بضرورة التحرّك لوقف التدهور، كما خصّص البابا يوماً عالمياً للصلاة من أجل لبنان حضره 30 ألف شخص في ساحة الفاتيكان يوم 4 تشرين الأول 1989.
وإذ اجتمع النواب اللبنانيون في الطائف لبحث دستور جديد عام 1989، واصل البابا مساعيه وذكّر النواب بضرورة التوصّل إلى توازن سياسي اجتماعي جديد. ودأب نائبان مارونيان على زيارة الفاتيكان طيلة فترة انعقاد مؤتمر الطائف لموافاة البابا بتفاصيل الحوار. وكان أن أُصيب اتفاق الطائف بانتكاسته الأولى، إذ اغتيل الرئيس المنتخب رينيه معوّض. وبعد انتخاب الياس الهرواي رئيساً للجمهورية نقل مبعوث الفاتيكان بابلو بوينتي إلى بكركي رأي الحبر الأعظم أنّ الهرواي، وحتّى لو سمّته سوريا فهو يمثّل "استمرارية ضرورية لمؤسسات الدولة وسيادة لبنان التي على المسيحيين دعمها".
ونصح الفاتيكان بكركي بأن تترفّع عن المسائل السياسية اليومية في الوسط المسيحي وتعطي هالة قيادية لكل المسيحيين بلا استثناء خاصة بعد حرب عون – جعجع. ولذلك عمل بوينتي على اقناع رجال الدين المسيحيين بعدم الغرق في شؤون السياسة وواجه من كانوا في دائرة التشدّد. ففي اجتماعه مع مجلس المطارنة الكاثوليك في 26 تشرين الثاني 1989، كان بوينتي شديد اللهجة منتقداً "تدخّل رجال ومؤسسات الكنيسة في السياسة دون أن تعودوا إلى سلطاتكم الروحية… يجب أن تفهموا أنّه يجب وضع حد لزيارات السياسيين والتصريحات التي لا تجيزها الكنيسة".
وعندما انفجرت الحرب المسيحية في شكل واسع عامي 1989 و1990، اعتبرها البابا ضربة من المسيحيين انفسهم لمساعيه الشخصية لانقاذهم وللتوجهات التي كان يطلبها منهم لتحقيق السلم في لبنان بشكل يحفظ نظامه الديموقراطي وسيادته الوطنية. خاصة انه ومنذ 1978 كان البابا ضد توجه بعض القيادات اللبنانية نحو التقسيم او الغيتوات الطائفية، اذ قال: "دعونا ننقذ لبنان لننقذ المسيحيين ودعونا ننقذ المسيحيين لننقذ لبنان". وكان يهم الفاتيكان بعد اتفاق الطائف وسقوط حكومة ميشال عون في تشرين الاول 1990 وتوكيل لبنان لسوريا، ان يوقف الطريق الانحداري للمسيحيين في لبنان وينهي حالة الاحباط. وهكذا شكل عقد التسعينات الفترة الاكثر تدخلا للفاتيكان في لبنان والاكثر حضورا لدعم البطريرك صفير بعد مغادرة ميشال عون وأمين الجميل لبنان، واغتيال داني شمعون وسجن سمير جعجع.