"العين بالعين، فإذا العالم عمى".
جبران
يليق بالألمان أكثر، أن يكونوا أنتي – بابوية. مخالفون، من الدرجة الاولى. وفلسفة، لا طاعة. من الرهبة خرج مارتن لوثر الى شق الكثلكة، واقامة اللوثرية، التي ذرت المسيحية فرقا فرقا. والالماني كارل ماركس هو من حاول استبدال التوراة والانجيل بـ"الرأسمال". ومارتن هيدغر حاول ان يعيد تفسير الفلسفة اليونانية برمتها، لا بابوية في الافلاطونية، قال مارتن الآخر.
عندما صعد الدخان الابيض من كنيسة سيكستين، حيث تحف مايكل انجلو، وقال كاردينال تشيلياني Habemus Papam (لدينا بابا) لم يكن أحد يتوقّع أن يكون المنتخب المانياً. لكن روما، على ما يبدو، استمرأت تغيير عاداتها القديمة، حبر الماني، بعد فويتيلا، اسقف كراكوف، واحد من بلد هزم ضعفه الاحتلال النازي والسوفياتي، وواحد من بلد هزمته قوته، يوم جعل علماؤه عبقرية المانيا في امر جزمتها، وأصابع بيتهوفن في راحة يد هتلر.
ثمة ستة ملايين كاثوليكي فقط، في هذا الشرق العليل، وقد قرر بينيديكتوس السادس عشر مخاطبتهم من لبنان رمز الوجود والزوال المسيحي في ديار الانبياء. ومن قبله جاء الى بيروت البابا البولوني، يتحرّق تحت شمس المدينة وفوق رمادها، ويقرأ من مزمور مندثر: لبنان رسالة، لا بلد. عذرا يا صديق الفقراء: اليوم، لا هو بلد، ولا هو رسالة.
اي شعار جميل ومؤنس سوف يرفع الزائر البابوي الحالي؟ لعله يبحث، اولا، عما بقي من معاني المسيحية وقيمها، في بلد أقيم من اجل بقاء المسيحيين في الشرق. أُريدَ من خلاله خفض غريزة الغلواء الفردية، وفتح نافذة على ثقافة الحوار، والتأكيد ان الشرق قابل لحكم القانون، فليس كل شيء يقضى بالحكمة الكبرى: فضرب عنقه! فالانسانية رأس مرفوع، لا عنق يضرب. والاوطان الحرة يبنيها مواطن حر. والعبودية ليست فقط عبودية المستعمر والمحتل، بل أقسى أنواعها عبودية الاستبداد، وذل الخنوع وشره الجهل وتعالي الجلاوزة.
لم يعد المسيحيون في الشرق شيئا يذكر، ليس في التعداد، فلم يكونوا مرة عددا. وانما لم يعودوا شيئا في ما مثلوا، وفي ما يفترض انهم يمثلون. ليس بصفة كونهم مسيحيين، بل بما يتشاركون فيه مع سواهم من القيم والمفاهيم. سلوك الياباني فرض بشري، وليس خوف العقاب ومكافأة الثواب. الانسانية ليست مقايضة مع الله. الاكثر اهمية، عند الياباني، هي مرآة النفس، التي تلازمك حتى نائما. الكابوس الافظع هو كابوس اليقظة الذي لا نهاية له، وليس كابوس النوم الذي يترك في فمك طعم التفاهة ثم يمضي.
اذا كان لبنان رسالة فقد وجب تعريفها. لا يكفي ان نرث الارث الحسن بل يجب ايضا الا نورث العار وسمعة العيب والتفه والجريمة. قبل ان ندعي الرسالة يجب ان نحدد اين هي قلوب المسيحيين من رحمة النفس ورحمة الغير. واذا كانت خلاصة رسالة المسيح وحياته ورداء الصيادين في طبريا، فما هي علاقة مرضى الاستعلاء برسالته. وما علاقة دعاة الرفض بدعوته؟
قبل شهر على وجه الضبط، القى بينيديكتوس السادس عشر في المصيف البابوي، كاستلغاندولفو، عظة البشارة (الانجلوس). اي بعد تحديد موعد الزيارة للبنان. لا نعرف مدى المصادفات. لكن العظة برمتها كانت على "أن الخداع علامة الشيطان". قال لسامعيه، انه كان في امكان يهوذا ان يترك المسيح دون لوم أحد. فالمسيح قال لتلاميذه بكل اخلاص ودعة: كثيرون منكم لا يؤمنون بي. اراد ان يفتح امامهم باب الانسحاب. لكن يوضاس قرر ان يبقى، من اجل ان ينتقم. النفس الوضيعة لا تكبر بكبر سواها. محصنة ضد المحبة والنور.
قال البابا لسامعيه: يوضاس، لم يكن يريد مسيحا متواضعا بالله، بل مسيحيا قاهرا، يقوم بالثورة والدم على روما ويدمرها. يريد علامة الغلبة. موت كثير وخراب عميم. كاد يبكي وهو يقول لتلاميذه: احدكم شيطان، وسوف يعمل كالشياطين.
أخبر بينيديكتوس سامعيه بحكاية يوضاس، لكنه طلب الا يتوقفوا عند المقت الروحي الذي أثارته فكرة الخيانة على مدى الخليقة، فقال لهم: احد مبارك، واسبوع سعيد في اي حال. كان يوضاس الاسخريوطي يفتقر الى القيمة العليا في الروح: الصدق. فلو كان صادقا، قال الالماني في عظة "الانجلوس"، لحمل نفسه ومضى حيثما شاء. لكنه كان ثأريا صغيرا. وكان في جوهره حاسدا لم يرضه ان يكون احب التلاميذ، بل اراد ان يكون هو "المعلم".
الانجيل كتاب سماوي لكنه ملحمة انسانية، لا حصر للظواهر البشرية فيها. من ناحية، بطرس، الصياد الطيب والضعيف امام الجزمة الرومانية، ومن ناحية يوضاس، الشرير والضعيف امام فضة اليهود. ثم هناك توما، الذي ضعفه في اعتقاده ان الشك طريق الايمان.
واحد نقي، يؤمن لكنه ينكر، وواحد من شر وفساد، لا فرح فيه سوى فرح الخيانة والقتل، وواحد يشكك لكنه لا يخون.
مارتن الآخر، هيدغر، مواطن بينيديكتوس، ومفكر القرن الماضي، لم ينسف الفكر السابق كما فعل مارتن لوثر. ولم يحاول ان يصنع مارتن جديدا، من العمال والحطابين، مثل كارل ماركس. لكنه اراد للكتب ان تعلمنا كيف نفكر وليس فقط ان نعرف. ليس ان تكون الذاكرة وعاء آخر كالامعاء والمثانة، بل ان تكون خزانا للفكر والابداع والألق. لذلك قال الناصري ان الحق هو المحرر، تعرفونه تتحررون. من دونه، عبيد على جهل متفاوت في درجات الجهل.
تأثر بينيديكتوس السادس عشر الى حد بعيد، بفكر ابن تبنين، الاب والمفكر والمؤرخ تيودور خوري. هذا الرجل الذي صنفه الالمان عالما من ارفع علمائهم، وتركوا له ان يحاول صنع القربى بين المسيحية والاسلام. اخطأ راتزينغر في النقل عن تيودور خوري، او اجتزأ (2006)، فاضطر الى الاعتذار، ولكن لعل تلك الحادثة افادت في الاستدراك وفي السعي نحو تقارب الديانتين، في عالم متصادم وحضارة تنزلق الى الصدومية، العدمية المتمدنة في وجه العدمية الصخرية.
يفرح ان يكون قد سبق البابا الى لبنان، ذلك البابا الجبار والمكافح، الذي بسبب ظلامة بلاده، قاتل ضد التجبر في العالم اجمع، وركع فوق ارض البشر وقبّل ترابها، وجاء الى المسجد الاموي يخشع ويصلي. ولكن سبق بينيديكتوس ايضا فكر تيودور خوري، المولود في تبنين، يوم كان اللبنانيون لا يزالون يولدون بعضهم عند البعض، ويعيشون بعضهم عند البعض، ويوم المئذنة والناقوس على تلة واحدة، او في واد واحد. ودائما في سبيل قيم روحية واحدة، اولاها الحرية والارض، ومغاني الحياة لا مغانمها وسبيها.
في لبنان لم نسمع بالعالِم تيودور خوري إلا بعد وصول راتزينغر الى الغبطة الفاتيكانية. ولكن في المانيا، حيث الدنيا هي العلم، له تلامذة ومريدون ومقلدون. اعتزوا بانه يكتب بلغتهم، تلك اللغة التي بسطها مارتن لوثر ليجعل الكنيسة في متناول العامة، بعدما كانت اللاتينية المعقدة قد أبقتها للاحبار والسادة. هكذا فعل السنيور دانتي الليغييري عندما قال للايطاليين، هذه لغتكم الغنائية الجميلة، فاكتبوا بها. اعتذر عن استخدام المصطلح اللاتيني عنوانا، ولكن لم اجد اوقع منه في القول ان "لدينا بابا".
اعذرني، ايها الضيف الكريم" الا استخدم الالقاب المبجلة في ديانة ولد صاحبها في مزود، يتدفأ بأنفاس الحملان. ولم يناده الصيادون، رفاقه، بأكثر من "سيد". وقد تمتعت بقراءة عظتك الاخيرة قبل زيارتك، وفيها تشرح ان المسيح سمي ملكا على انه ملك المحبة والتواضع والفداء، وان مريم لقبت ملكة لأنها ملكة الامومة والتضرع لدى الله من اجل صالبي ابنها وخائنيه.
كلام جميل يا سيد. قرأت كثيرا في عظاتك وفي فكرك وفي مطالعاتك وفي تأثرك بالعالِم المسكوني تيودور خوري. كل ذلك حسن، والباقي باطل الاباطيل، كل شيء باطل. لعلك تعيدنا هنا الى عصر المسيحية وشيء من حياة المسيح. رداؤه الصوفي البسيط الذي عليه اقترعوا. وكيف قاوم ابليس على رأس الجبل، وقال له خذ مدينتك وامض.
هل تسعفنا على عودة لبنان بلدا ورسالة؟ ان نتخذ جانب المحبة والحرية والتواضع؟ لقد صدر يا سيد الاسبوع الماضي في بلجيكا قانون يغرّم كل من يوجه اهانة الى آخر. في مكان عام. المحسوبون عليك، يوجهون الشتائم والبذاءات الى الناس والجماعات. ينشدون للالغاء والقهر والموت. ولا يلتفتون الى فقرائهم ولا يمنحون مظلومهم نظرة الا من عل. اذا كان السقط علاً .
مرحبا بك يا سيد. أخجلت من بقي في قلوبهم ورع. وفي نفوسهم محبة.