تطوّران سياسيان وأمنيان بدّلا من مواقف لبنان الرسمية تجاه النظام السوري.. من رأس الجمهورية الى رأس حكومة السلاح. فرئيس الجمهورية ميشال سليمان، منذ شهور، يرفض السكوت عن "تطاول" جيش النظام السوري وخرقه السيادة اللبنانية واعتداءاته على اللبنانيين وتحديدا العكاريين الآمنين، وازدادت مواقفه تصعيدا مع تطوّر إجرام النظام السوري حين قبض "فرع المعلومات" على الوزير السابق ميشال سماحة وبيّن علاقته باللواء السوري علي مملوك لبث الفتنة في لبنان..
ثم، وللسببين ذاتهما، تحوّل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عن مواقف النأي بالنفس التي التزمت بها حكومة السلاح. وفيما تأخر ميقاتي في تحوّله، إلا أنه لم ينفِ إمكان الإحتجاج على استهداف جيش النظام السوري للداخل البقاعي من دون أن تتقدم حكومته بأي شكوى رسمية لدى جامعة الدول العربية أو مجلس الأمن.. ولربما تكون مواقفه شخصيا حيث أنها تتعارض مع قاموسه السياسي، أو لإيصال رسائل ما باتجاه الدول في الشرق والغرب خصوصا أن دولاً كثيرة غيّرت نظرتها تجاه حكومته، أو في محاولة جديدة منه لوضع رجل في مكان وأخرى في مكان آخر.
وعلى اختلاف المواقف، يقبع ممثل النظام السوري في لبنان علي عبدالكريم علي صامتا، لا يعلّق على أي موقف، دون أن يزور وزير الخارجية عدنان منصور. فسكوت علي ومنصور، إذا دلّ على شيء، فإنه يدل على انزعاج النظام السوري من مواقف سليمان وميقاتي، والدليل ردود أركان النظام على كلام سليمان و"تململ" حزب الله من مواقفه، والحزب هو الحليف الممانع الى جانب النظام السوري. وظهر انزعاج الحزب الأسبوع الماضي على لسان رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد حين قال "نلفت عناية رئيس الجمهورية".
ومع تصاعد الأزمة السورية، يظهر جلياً وصول إجرام النظام الى خواتيمه. وكلّما صعّد أركان النظام وحلفاؤه في لبنان خروقاتهم، اتّجه رئيس الجمهورية الى تصعيد لهجته الرافضة لأي خرق للسيادة والإحتكام الى الدستور، وتدلّ هذه المواقف الى أن تطور المنحى العام السياسي سيدفعه أكثر فأكثر إلى المزيد من الشيء نفسه. أما مواقف ميقاتي التي بدأت تتّخذ بالشكل منحى استقلالياً عن النظام السوري، فهي تتجه الى برهنة أمر واحد لا ثاني له وهو أن النظام ما عاد مقنعاً حتى لأقرب المقربين الى خطّه الممانع.
وفي رصد لمواقف كل من سليمان وميقاتي في مناسبات مختلفة، يقول سليمان "لن نتراجع عن تهنئته قوى الأمن الداخلي ووزير الداخلية لضبطهم المتفجرات في قضية الوزير السابق ميشال سماحة". ثم حذّر قائلا "لا يجربنَّ أحد أبداً أن يمس بها، لا بالبطريركية وشخص البطريرك ولا بالجيش اللبناني وقيادته، ولا برئاسة الجمهورية التي تمثل كرامة البلد. وكل شخص تناول هذه المقامات ارتد الامر عليه وسيرتد بصورة أكبر". وفي موقف آخر، شدد الرئيس على "أن العلاقة المميزة مع سوريا ليست رهناً بفريق سياسي في لبنان ولا بمَن يحكم في سوريا، والعلاقة بين لبنان وسوريا هي علاقة بين شعبين ودولتين."
من جهته، قال ميقاتي "اننا ننأى بأنفسنا عن التدخل في الشؤون السورية الداخلية، ولكن عندما يحصل أي قصف سوري لمناطق لبنانية، نحن لا ننأى بأنفسنا بل نحتج، وعندما تكون هناك محاولات لتفجير لبنان من سوريا لن ننأى بنفسنا، وسنتخذ الاجراءات الضرورية". ثم أشاد "بشعبة المعلومات واعتبر الأدلة في قضية سماحة دليلاً على حصول الحادثة". وقال أيضا "الدولة لن تتهاون في حفظ الأمن والاستقرار ومنع الإساءة الى اللبنانيين والمقيمين على أرض لبنان"، رافضا "القبول بأي انتهاك لسيادتنا الوطنية، ونتخذ الموقف المناسب إزاء كل حادثة"، لكن في المقابل لم يتّخذ أي إجراء عملي كما فعل رئيس الجمهورية مما يفرّغ موقفه من مضمونه.
عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب جوزيف معلوف يرى أن "ميقاتي فقد الأمل من النظام السوري الذي لم يعد يقنعه، والواضح أنه ابتعد عن سياسة النأي بالنفس ولكن في الوقت عينه علاقته مستمرة مع أعضاء الحكومة التي يرأسها، وهذا يعني أن التواصل مستمر بينهم." ويتساءل "لماذا اختار هذا التوقيت؟" ويجيب "من خلال قراءة التغيير الذي يطرأ على الساحة السورية وربما بتغيير بعض المواقف الدولية التي تتواصل معها الحكومة."
ويتابع "أما موقف ميقاتي من قضية ميشال سماحة فيفرض نفسه، حيث الأدلة دامغة وواضحة علاقة النظام بما كان سيرتكبه سماحة، وبات يصعب على ميقاتي اتّخاذ المواقف المتهوّرة بعدما ظهرت جلية نوايا النظام السوري تجاه لبنان." وهل يمكن ربط مواقف ميقاتي بمواقف رئيس الجمهورية؟ يجيب معلوف "مواقف الرئيس ليست جديدة، فهو منذ شهور يقدّم قراءة واسعة لواقع المنطقة ولتطوّر الأمور في سوريا". ويضيف "اتّخذ الرئيس عددا من المواقف التي تؤكد أن رئاسة الجمهورية تسعى جاهدة للوصول الى السيادة المطلوبة من الموقع الأول في البلد".
من ناحيته، يعتبر عضو كتلة "المستقبل" النائب أحمد فتفت أن "رئيس الجمهورية منسجم مع نفسه وقد مرّ في ظروف سياسية اضطر على أثرها أن يتّخذ مواقف معيّنة، لكن عندما تجاوزت الأحداث الحدود المقبولة والخطوط الحمراء بعد قضية ميشال سماحة والإعتداءات السورية وتصريح مندوب سوريا في الأمم المتحدة بشار الجعفري.. رأى الرئيس أن يحرّك مواقفه خصوصا حين وجد أن الحكومة منكفئة ولا تقوم بأي ردّ فعل لا بل تنأى بنفسها عن مصالح اللبنانيين".
ويلفت فتفت الى أن "الرئيس اتّخذ المواقف التي يفترض أن يتّخذها على الرغم من أننا نختلف معه على نقاط عديدة كالإستشارات وقانون الإنتخاب، وقد برهن أنه على مسافة واحدة." ويتابع "يبدو أن الطرف الآخر لم يستوعب مواقفه لأنه يعتبره طرفا، وقد اتهمت إحدى الصحف، على لسان قوى 8 آذار، الرئيس بأنه طرف". ويقرأ مواقف رئيس الحكومة "بأنها استلحاق لمواقف رئيس الجمهورية بعد الصدى الشعبي الذي حظي به الأخير، إلا أن ميقاتي لا يملك الجرأة ولا الكفاءة السياسية التي يتمتّع بها الرئيس، وقد بات واضحا بعدما أدلى به اللواء جميل السيد بالأمس أن ميقاتي يتواصل مع النظام في دمشق وهذا لا نستغربه." ويوضح "ميقاتي لاحظ أن النظام السوري أصبح أضعف مما سبق للتأثير عليه".
يضيف فتفت "التقيت مسؤولا فرنسيا وهو رئيس مؤسسة تهتم بالدفاع والامن يوم السبت الماضي وأخبرني أن حزب الله أبلغه أن سوريا تحاول نقل الفتنة الى لبنان كما الى كل الدول المجاورة، أما في لبنان فمن يملك القدرة على إثارة الفتنة يرصدها حاليا، في إشارة منه الى الحزب وحلفائه". ويوضح "هذا ما أعطى القدرة لميقاتي على أن يتّخذ موقفا متغيّرا بعض الشيء ولكنّ حكومته لم تتجرأ على إدانة إعتداءات النظام السوري على لبنان، فضلا عن أنه استخدم عبارة "إذا" وهذا يدلّ على أنه حتى الآن لم يعتدِ النظام على لبنان، والنتيجة أن ميقاتي يتجاهل الحقائق ويؤجل قراره." ويتابع "لم يجرؤ حتى على استدعاء السفير السوري، فاستدعى السفير اللبناني في سوريا."
ويختم فتفت "الفرق بيننا وبين الطرف الآخر أننا نعتبر إسرائيل عدوا، بينما هم يدينون الإعتداءات الإسرائليلية ويحاولون استغلالها ولا يملكون الجرأة لإدانة الإعتداءات السورية على الأراضي اللبنانية، إن كان رئيس الحكومة أو "حزب الله" وحلفاؤهما، من هنا أحمّلهم مسؤولية كل نقطة دم تُراق في الشمال أو في البقاع لأنهم يغطون ذلك ولا يعطون أوامر للجيش اللبناني للدفاع عن الشمال ويسكتون عن تهريب السلاح."