الأسباب المُعلنة وغير المُعلنة لزيارة البابا إلى لبنان

كتبت مرلين وهبة في "الجمهورية":

بلد صغير استفحلت فيه الحروب وفاضت القداسة، استفسر عنه البابا بينديكتوس بعدما أعلنه سَلفه يوحنا بولس الثاني «لبنان الرسالة»، فاستحوذ على اهتمامه بعدما علم أنّ مساحة لبنان شبيهة بدولة الفاتيكان، أمّا مسيحيّوه فقد أثبتوا عبر تاريخهم أنّهم أيضاً، إلى حدّ ما، يمكنهم موازاة هذه الدولة العظيمة المقدّسة… فعلاً.

وجد البابا في التهديدات الكثيرة التي وصلت إليه حافزاً يحضّه على إتمام مهمته المقدّسة، معتبراً لبنان القلب النابض لمسيحيّي الشرق، فقرّر المجيء.

ويلفت المرشد الروحي الأب مروان خوري المُطّلع على الزيارة والمواكب لها إلى أنّ "لمجيء البابا أسباباً كثيرة، منها مُعلنة وأخرى لم تُعلن على الملأ"، ويؤكّد أنّ الأسباب المُعلنة هي توقيع ورقة السينودس التي خُطَّت وكُتِبت من أجل الشرق الأوسط، أمّا اختيار لبنان بالذات لتوقيع هذه الورقة، فلأنّ البابا يعتبره القلب النابض لمسيحيّي الشرق، بعدما علم أنّ المسيحيّ في هذه البقعة من الأرض التي سُمّيت لبنان، تمكّن من أن يمارس ايمانه بحرّية، وأن يطبّق شعائره الدينية، كما استطاع نيل امتيازات معترَف بها داخل الدولة، إن كان بنظامها أو بدستورها، فيما لم يزل يلعب أدواراً مهمّة في الحكم والسلطة، في حين انتفت هذه الامور كلّها في البلدان العربية المجاورة التي ينتشر فيها مسيحيّون مغلوب على أمرهم. إذ إنّ حقوق المسيحيّ في البلدان المجاورة محدودة، إن لم نقل ضئيلة، فلا دور له في الحكم، وحرّيته الدينية معدومة كلّيا في أماكن معيّنة، وخجولة في أماكن اخرى وبشروط كثيرة وقاسية.

من هنا، علم البابا أنّ لبنان في الشرق يشكّل رئة المسيحيّين التي يتنفّسون من خلالها. وتنبّه الى أهمّية النظام الذي جمع الطوائف واستوعب التعدّدية وعرف كيف يحكم، ويتعايش في ما بينه.

ويصف الأب مروان خوري المشهد كالآتي: في الوقت الذي يحاول اليهود إقناع العالم بأنّه لا يمكن للأديان ان تتعايش في ما بينها، ويحاولون فرض التقسيم وإثبات نظريتهم من خلال الحروب الحاصلة، ليقولوا للغرب انظروا كيف تتقاتل المذاهب في البلاد، فيؤكّدون هذه النظرية ويبرّرون لماذا اختاروا العيش منفردين في ما بينهم ورفضوا الاندماج. فقرّر البابا زيارة لبنان ليطلب من المسيحيّين أن يثبتوا قدرتهم على التعايش والاندماج ومحاربة هذه المقولة.

الأسباب غير المُعلنة للزيارة

وفي العودة إلى الأسباب غير المعلنة لزيارته، فيصفها الأب خوري كالآتي: لا نستطيع نكران أنّ ما حصل في العراق يبقى صورة حيّة محفورة في أذهاننا، عندما استُغلّ الربيع العربي للشرق الاوسط، فاستغلّ الغرب ربيع العرب الحقيقي الذي بدأ فعلاً بمحاولات إصلاحية للأنظمة الديكتاتورية، فتذكّر براميل النفط في العراق وأراد الإفادة من محاولات العرب وربيع الشباب التوّاق الى الحرّية في عصور الانفتاح التكنولوجي والفكري، فقال لهم إنّ هناك أثماناً يجب دفعها قبل حصولكم على هذه الحرّية، ومنها تفريغ الشرق من مسيحيّيه، وبالتالي دخلوا العراق ليُسقِطوا "الديكتاتور" ويحاربوا الإرهاب! فذهب الديكتاتور وذهب مسيحيّو العراق جميعهم معه، وقُسّم العراق وتقاسموا ثرواته النفطية في ما بينهم.

ويضيف: الأمر نفسه يحصل في مصر، وعلى رغم أنّ المسيحيّين لم يمارسوا شعائرهم بحرّية مطلقة خلال حكم مبارك، إلّا أنّها كانت أفضل ممّا هي عليه الآن بعدما سقط حكم الأخير. والفكرة ليست الخوض في السياسة لأنّ الأقباط في مصر يعيشون حالات خوف مستمرّة.

ويوضح الأب المرشد أنّ "البطريرك الراعي لم يدافع عن النظام في سوريا عندما استدرك هذا الأمر، ولم تكن غايته الدفاع عن العائلة الحاكمة مثلما قيل حينها، بل كان يقول نريد تغيير نظام ديكتاتوري في سوريا، لكنّنا نريد في الوقت نفسه أن نعلم كمسيحيّين مَن سيخلفه، وأيّ نظام سيأتي بعده؟" ويضيف: "إذا كانت الخطة شبيهة بالمخطط العراقي، فيجب علينا كمسيحيّين رفضها، والمطالبة بإبقاء النظام والتفاوض على تغيير الدستور وسياسة الحكم، حتى لا يواجه مسيحيّو سوريا ما حصل لمسيحيّي العراق، وتفادياً لانتقال هذا المخطّط إلى البلدان المجاورة، فيأتي دورنا ولا يبقى أيّ مسيحيّ ليشهد".

ويجزم بأنّه "لا يدافع في حديثه عن النظام بل عن الوجود المسيحي الذي إذا خُيّر بين أن يكون موجوداً ويمارس بشروط إيمانه وبين أن يبطل وجوده، فالمسيحي يفضّل بالتأكيد وجوده، لأنّ القرار أكبر منه. ولو أنّ هدف صانعي هذه الحروب كان فعلاً التحرير وإعادة الديموقراطية لوَجب على المسيحيّ أن يكون في مقدّمة هؤلاء الشبّان الذين يهبّون لتحرير الشعوب المظلومة، إنّما أثبتت الأحداث الأخيرة أنّ أهداف صانعي هذه الحروب تبدّلت.

وبرأي الأب خوري أنّ البابا قد تنبّه لهذه الأسباب، وربّما أدرك واستدرك أنّه في حال نجاح الثورة في سوريا قد تكون بداية خطّة ممنهجة لتفريغ الشرق من مسيحيّيه، خصوصاً بعدما أسرّ البطريرك الراعي لبعض زوّاره مقولةً نقَلها أيضاً الى حاضرة الفاتيكان، يوم قيل له: "كم يبلغ عددكم كمسيحيّين في هذا الشرق بين لبنان وسوريا؟ بتِطلعوا 3 ملايين؟ نوزّعكم على البلدان الاوروبّية، عِنّا 24 دولة اوروبّية سنوزّعكم عليها فتُحَلّ مشاكلكم".

العقدة الوحيدة التي لم يحلّها الغرب، هي أنّه لم يحسن قراءة تاريخ المسيحيّين اللبنانيّين في الشرق. إلّا أنّ البابا أحسن قراءتها لذلك قصد لبنان.

ولأنّ الحروب لم تعد مماثلة للعهود القديمة في ظلّ انتشار الاسلحة الكيمائية والنووية، ولأنّ البابا استشعر بالخطر الكبير المحدق بمسيحيّي الشرق، إذا "مسّ" احدهم مسيحيّي لبنان، المعقل الاخير لمسيحيي هذا الشرق والمعقل الاخير للحرية، ولأنّه علم أنّ مجيئه هو نوع من الضمانة تمدّ المسيحيّين صلابة وقوّة، أمّا قدماه اللتان ستطأان بمشيئة إلهية لا بشرية تراب أرض لبنان، تشكّل رسالة مفادها أنّ ميرون ثباتكم في المسيح شبيه بثباتكم على هذه الارض المقدّسة التي أزهرت قدّيسين، وهناك ضرورة لثباتكم فيها، ومجيئي مع بركة رسولية هو لتثبيتكم على أرضكم المقدّسة ولكي أشهد للحقّ، فأدعوكم الى عدم الاستسلام مهما كان الخطر عظيماً والمغريات أعظم.

ويختم الأب خوري قائلاً: "قد يعتبر البعض أنّ إعلان هذا السبب على الملأ سيشكّل قلقاً للطرف الآخر، فيعتبر أنّ البابا صليبيّ، وقد جاء للمساعدة على قيام الثورة الصليبيّة. من هنا يجب التذكير بأنّ حضور يوحنا بولس الثاني شكّل علامة رجاء كبيرة للبنان وللمسيحيّين خصوصاً، بعدما استفحل الانقسام العامودي في ما بينهم في ظلّ الحروب التي خاضوها، فانكسر طوق الشرّ ما إن وطئت قدماه تراب لبنان.

من هنا يؤمن المسيحيون بأنّ مجيء نائب المسيح ببركاته ونعمه الروحية الكبيرة سيكسر طوق الشرّ الذي أحاط برقابهم مجدّداً… أمّا قداسته فيؤمن أيضاً بأنّ الذي دعاه الى زيارة البلد الصغير هو مشيئة ربّانية وليست بشريّة، كما يؤمن بأنّ لبنان بالنسبة إلى الفاتيكان ومسيحيّي الغرب هو الشقّ الثاني من رئتهم… إذا انتهى المسيحيّون فيه تبقى لهم رئة واحدة يصعب التنفّس بها.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل