كتبت هيام القصيفي في "النهار":
لم تكن انطلاقة الفاتيكان حين سلم البابا بنديكتوس السادس عشر بطاركة الشرق الكاثوليك في قبرص وثيقة الاعداد للسينودوس الخاص بالشرق الاوسط، في حزيران عام 2010، ولدى انعقاد السينودوس في روما في تشرين الاول في العام ذاته تحت عنوان «الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الاوسط: شركة وشهادة»، هي نفسها التي تكلل اليوم جهود نحو عامين من العمل والاهتمام الفاتيكاني بمسيحيي الشرق الاوسط.
قبل عامين من الآن، وضع الفاتكيان نصب عينيه، الوضع المسيحي في فلسطين والعراق وكافة دول الشرق الاوسط. لكن تجربة التهجير في العراق كانت حافزا رئيسيا لصياغة الكرسي الرسولي مقاربته حيال مسيحيي الشرق والخوف على مصيرهم. لا سيما بعد الاعتداءات والعمليات الانتحارية والقتل المتمادي، الذي طاول مسحيي العراق. ومن العراق وفلسطين اطلق دعوته الى سائر مسيحيي الشرق، ومطالبته بأن يعيشوا بكرامتهم في اوطانهم كحق انساني اساسي، بحسب ما قال في افتتاح السينودوس.
لكن اطلالة البابا المهمة في ابعادها، من بيروت كبوابة رئيسية للشرق المسيحي، لا تعكس الواقع نفسه الذي من اجله انطلقت اعمال السينودوس.
اولاً: ان الاحداث التي عصفت بسوريا وقلبت موازين القوى فيها بنحو دراماتيكي، تركت اثرها على رؤية الفاتيكان لوضع مسيحيي الشرق. فما يحدث اليوم وما يمكن ان يتعرض له المجتمع المسيحي السوري، يختلف تماما عن الوضع العراقي، في ضوء التجربة والاحداث اليومية الخطرة التي تترك اثرها بقوة. ولا سيما ان ثمة انتقادات مسيحية لمقاربة الفاتيكان للوضع العراقي التي لم تنتج حتى الآن اي مبادرة عملية، خارج اطار المؤتمرات الكنسية. والمشكلة التي وقع فيها الفاتيكان وكانت مثار انتقادات رافقت انعقاد السينودوس في روما، ان عددا من المشاركين ومقدمي اوراق العمل غرقوا في العمل التنظيري واكتفوا بقراءة عمومية لوضع المسيحيين، من دون تحديد عملي وعلمي لواقعهم ارقاما وأعداداً وحتى من عرض حقيقي لاوضاعهم ورؤيتهم لمستقبلهم وحقيقة تجاربهم في العيش في بلدانهم واسباب الهجرة.
ثانياً: ان الوضع السوري يزداد خطورة، ومسيحيو سوريا يتطلعون الى زيارة البابا كبارقة امل، لكنهم عالقون بين الارشاد الذي يدعوهم الى التشبث بارضهم والبقاء فيها، وبين المخاوف من الدعوات الغربية التي بدأت تغريهم بالهجرة وبتسهيل معاملاتهم من اجل ترك سوريا والشرق، بعد استنفاد جميع وسائل «حمايتهم». من هنا يصبح تحدي الارشاد الجديد، على قدر الاهمية، في حال مواكبته بما يعطي مسيحيي الجوار شعورا بالاطمئنان، لا تبدده رسائل تهديد تلفزيونية ولا صور المذابح والمجازر، ولا الاقتتال الطائفي والاسلمة من مصر الى العراق وفلسطين وسوريا الى لبنان.
ثالثاً: ان تداعيات المشكلة السورية اربكت كنائس لبنان، الامر الذي خلق ايضا بعض التجاذبات في رؤية الفاتيكان لسوريا ووضعها المتفجر. ولا شك في ان الكنيسة المارونية، وهي الكنيسة الاكثر تجذرا في تاريخ لبنان، والتي كانت قبلة مسيحيي الشرق، صادفت مواكبتها للسينودوس، تغيرا جوهري في قيادتها عبر انتخاب البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، وفي مقاربتها للشؤون الداخلية اللبنانية وللوضع في سوريا. وهو أمر ساهم أكثر في تضعضع موقفها وفي دورها التأثيري في السينودوس الشرق اوسطي. مع العلم ان تجربة السينودوس من اجل لبنان، (بقيادة الكنيسة المارونية) وقبله تجربة مسيحيي لبنان منذ تأسيس لبنان ودورهم الطليعي فيه، وصولا الى ما مروا به خلال حرب طويلة، كان يجب ان تشكل اساسا في تطلعات الفاتيكان للدور المسيحي في الشرق الاوسط.
ولعل هنا مكمن بعض الاستياء من عدم اعطاء الكنيسة المارونية في بكركي الدور الذي تستحقه في برنامج الزيارة على عكس الزيارة البابوية السابقة (رغم التبريرات غير المقنعة)، والذي يدور بحث جدي في تعديله. فما هو مكتوب في برنامج الزيارة لا يتلاءم مع دور الكنيسة المارونية الفاعل في بناء استقلال لبنان التي تكن يوما علبة بريد لاحد، واضطلعت بدور اساسي في محطات تاريخية وصولا الى اتفاق الطائف. وابقاء الامور على حالها يزيد ارباكا على وضع الكنيسة المارونية والموارنة، بعيدا عن اي نوع من انواع الاعتراضات الداخلية على اداء الكنيسة والقيمين عليها.
رابعاً: بغض النظر عن تعامل كنائس لبنان الكاثولكية وغير الكاثوليكية، مع الزيارة بأهمية قصوى، والجهد المبذول كنسيا لانجاح الزيارة ومساواتها بالزيارة البابوية السابقة، فان التحدي الكبير الّا يكون مصير الارشاد الرسولي الذي لم ينشر بعد، ولم يسلمه الفاتيكان لاي مسؤول كنسي، كمصير الارشاد من اجل لبنان. فالسينودوس الذي عقد في زمن البابا يوحنا بولس الثاني وبرعاية البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، اتخذ ابعادا تاريخية وكنسية اسثنائية، في ظرف دقيق كان المسيحيون يعانون فيه آثار الوصاية السورية، ورأوا في الزيارة البابوية حينها، عاملاً للتعبير عن مأساتهم. لكن المشكلة ان الارشاد تحوّل لاحقا عناوين اعلامية وشعارات، ولم يترجم على واقع الارض المسيحية واللبنانية، بما يتلاءم مع اهمية العمل والنص الصادر عن الفاتيكان. هناك مسؤولية ظرفية ومسوؤليات كنسية ووطنية على مختلف المستويات. لذا تطرح الاسئلة اليوم عن مصير ارشاد موجه الى مسيحيي بلدان الشرق الاوسط كلهم مع كل التحديات التي يعيشونها والتي تضاعفت في السنوات الاخيرة، فلا يتحول مجرد شعار اعلامي يردده السياسيون، كما يرددون شعار «لبنان اكثر من وطن انه رسالة».