ليس خافياً على أحد التغيير الطارئ على أداء الحكم والحكومة في الأيام القليلة الماضية، هذا التغيير بدأ من خلال التوجّه الجديد لرئيس الجمهورية بعد 15 آب الذي عدّ "اليوم الأسود" في تاريخ لبنان عند ظهور الأجنحة العسكرية للعشائر. وفي 9 أيلول انقلبت الصورة فبدأت عملية تفكيكها، ومعها مجموعات أخرى باتت على الطريق. فصدرت الأوامر إلى القوى العسكرية: إلى البقاع دُر!
لم يكن اليوم الأسود الذي وضعت فيه البلاد تحت رحمة الجناح العسكري لآل المقداد منعزلاً عمّا سبقه من أحداث، فتزامناً مع القصف السوري الذي تعرضت له القرى اللبنانية على طول الحدود الشمالية والتوغلات السورية على بعض الجبهات وطلب رئيس الجمهورية من وزير الخارجية توجيه كتاب احتجاج الى السلطات السورية، كانت ترددات خطف اللبنانيين الـ 11 في سوريا تتفاعل على غير مستوى، وانعكست أصداؤها عنفا وقطعا لطريق المطار وبعض قرى الجنوب وبعلبك. وباتت رئة التواصل مع الخارج معطلة تحت رحمة مجموعات مدنية تتحكم بحركة العابرين من مدنيين لبنانيين وديبلوماسيين وقوى أمنية وعسكرية حتى تلك التابعة للأمم المتحدة.
لم تعد الشاشات إلّا للملثّمين … وماهر!
وفي هذه الأجواء المحمومة، جاء "الخبر الصاعقة" من دمشق باختطاف حسان المقداد. فانفجرت في الضاحية وبيروت على وقع الانفجارات المتقطعة في طرابلس، ووضعت الأراضي اللبنانية تحت رحمة الملثّمين من الجناح العسكري لآل المقداد الذين تصدروا واجهة الشاشات التلفزيونية من خلف وجه ناطق رسمي باسم العشيرة، "ماهر" في إدارة الحوارات التلفزيونية وانتقاء "العبارات الانقلابية" على الدولة ورؤسائها وقياداتها وأجهزتها الأمنية. فلم يوفر انتقادا جارحا لرئيس الجمهورية ومواقفه من جرود جبيل، مُستسخِفاً مواقف رئيس الحكومة ووزير الداخلية ومعهما كل قوى 14 آذار وقياداتها ورموزها، مستهتراً بالقوى الأمنية والعسكرية، واضعا البلاد من اقصى الشمال الى الجنوب والبقاع وجبل لبنان تحت رحمة الأجنحة العسكرية لعشيرته، وتلك التي ناصرتها الأهداف على اساس "بنك من المعلومات" لا يوفر لبنانيا أو قطريا أو كويتيا أو سعوديا بعد الأتراك.
ونصر الله تبرّأ… فلم يصدقوه!
في المشهد الإعلامي في تلك الأيام، انحسر الوجود السياسي وتحاشى كبار المسؤولين الظهور اعلاميا والتصدي لكلّ هذا المنطق، وبات نشاطهم في خلفيات النشرات الإخبارية ونهاياتها بعد المجموعات المسلحة والناطق الرسمي باسمها الذي "يوجّه التحذيرات الى كل العالم من كبار القوم الى صغارهم، يوزّع الأسرى على اهالي المخطوفين، ويبرّر ويتبرأ من عمليات خطف ويتبنّى أخرى".
كانت النتيجة المباشرة والبلاد على ابواب عطلة عيد الفطر، أن أقفرت الفنادق والملاهي وألغيت حجوزات العيد وغاب العرب واهل الغرب والمغتربين عن لبنان، الى ان استحقّها الجميع. فظهر الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله على الشاشة في يوم القدس ليعلن عن "عجزه عن ضبط الشارع"، معتبراً انّ ما حصل بات "خارجا عن إرادته وإدارته"، فلم يصدقه أحد.
مرت أيام قليلة، فاستشعر المسؤولون حجم الكارثة وما آلت اليه هَيبة الدولة، فكان القرار أوّلاً بأنّ طريق المطار لن تقطع بعد اليوم…لا بل ستقطع ايدي وأرجل من يحاول ذلك. كانت البروفا ناجحة، فتحوّلت العملية بالنسبة إلى رئيس الجمهورية قصة حياة او موت للدولة ومؤسساتها، فيما الحكومة مشلولة وغارقة في خلافاتها الداخلية وملفاتها المعقدة، والمجلس النيابي في عطلة آب مقفلا ومقفرا.
سليمان يقود المواجهة!
فجأة، كان لا بد ان يقود أحد العملية لاسترجاع شيء من هيبة الدولة وحركة مؤسساتها، فكان رئيس الجمهورية الرجل الوحيد القادر على إدارة هذه المعركة. استنهض رئيس الحكومة وتحدّث مطولاً الى رئيس المجلس النيابي جامعاً التعهدات حول سلّة من القرارات لمواجهة ما حصل. ولم يوفر بعدها أحدا، استدعى وزير العدل سائلا عن سبب عدم إصدار الاستنابات القضائية، وقائد الجيش وقادة القوى الأمنية داعياً الى تنفيذ هذه الاستنابات، والوزراء المعنيين من كل الاتجاهات الأمنية والإعلامية والاجتماعية مُعلناً نوعا من الاستنفار الذي لم تشهده البلاد من قبل.
وعلى وقع هذه "الطَحشَة"، تعهّد الجيش بتنفيذ الاستنابات التي تؤدي الى إطلاق المخطوفين السوريين والأتراك وتحريرهم. فبدأت العملية في عمق الضاحية الجنوبية في أجواء لم تشهدها البلاد من قبل، الجيش في الضاحية من بيت الى بيت، ومن شارع الى شارع، مرحّباً به من قياداتها وسط غَضّ نظر لـ"حزب الله" لم تشهده الساحة السياسية من قبل. فكانت النتيجة ان استعادت الدولة والقوى الأمنية المبادرة بمجرد ان قرّر الجميع من أجنحة عسكرية وسياسية عدم المواجهة معه، لا بل فقد قيل إن "للجيش موقعاً في منازلنا" كما قال الرئيس نبيه بري باسمه وباسم "حزب الله" واهالي الضاحية.
على هذه الخلفيات، بدأت أجواء الحلحلة، انتهى زمن المخطوفين وعادت البلاد الى أجواء المفاوضات تراهن على دور تركي اكبر بعد تحرير مخطوفها والبقية على الطريق، فالنهاية مسألة ساعات او أيام لا أكثر ولا أقل.
الى البقاع در!
وبناء على ما تقدم، وقبل ان تفقد العملية وهجها، تحدث رئيس الجمهورية امس الأول، وقبله بقليل، مطوّلاً الى رئيس الحكومة، واستدعى في الساعات الماضية كلّاً من وزراء الداخلية والدفاع والزراعة للبدء بمرحلة أخرى وإقفال ملف آخر لا يقلّ خطورة عن الملف الأمني، وهو يتصِل بضرورة استئناف خطة تلف المزروعات الممنوعة في البقاع، وهي التي توقفت على وقع قصف مدفعي من "مرابض آل جعفر" وعشائر أخرى عطلت العملية عندما بلغت سهل اليمّونة.
وعلى هذا الأساس، يقول العارفون إنه في السابعة من صباح الثلثاء المقبل 18 الجاري، حددت الساعة الصفر لاستئناف العمل في تلف المساحات المزروعة في البقاع، والقوى الأمنية ستكون بانتظار المعترضين، ومدفعية الهاون التي استخدمت قبل اسابيع في مواجهة تلك العملية. وعليه فقد صدرت الأوامر الى البقاع دُر! ولكن، بعد انتهاء زيارة قداسة البابا.
