Site icon Lebanese Forces Official Website

البابا ولبنان منذ اقدم العصور إلى اليوم [2 من 2]

كتب الدكتور كمال ديب (أستاذ جامعي لبناني / كندا) في صحيفة "النهار":

ما ان حل العام 1991، حتى وجد مسيحيو لبنان أنفسهم وحيدين في وجه العاصفة: أميركا نفضت يدها بعد حاجتها لسوريا في حرب الكويت، وفرنسا فقدت نفوذها مع هزيمة عون في تشرين الاول 1990 بعد التدخل العسكري السوري ولم يبق في الغرب سوى البابا يوحنا بولس الثاني لدعم وجود المسيحيين في لبنان والشرق.

بين سقوط بعبدا في تشرين الاول 1990 وبدء تحرك الفاتيكان، كان ثمة بضعة أسابيع فقط. فقد عملت وفود الفاتيكان طيلة الاشهر الاولى من 1991 على خطة انقاذ في الداخل المسيحي ونضجت في 12 حزيران 1991، عندما دعا البابا الى سينودوس من أجل لبنان. كان الفاتيكان يحاول وقف التدهور المسيحي، ويرى أن الانحدار الديموغرافي والهجرة قد أصبحا حقيقة، وأن رسالتهم في المشرق حادت عن هدفها الاساسي عندما أصبح صراع رجال السياسة على السلطة سببا في أن يقتل بعضهم البعض، وأن عليهم ان يتوقفوا عن التصرف او التفكير بأنهم أقلية تقاتل من اجل وجودها وينخرطوا في عمل بنّاء في بيئتهم.

كانت رسالة البابا الى مسيحيي لبنان ان يأخذوا أمورهم بيدهم ويكونوا أقوياء، بدل القبول الصامت بالانحدار، وكان هذا الامر في غاية الاهمية للفاتيكان، حيث توصلت قيادته الى استنتاج فحواه أن انهيار المسيحية في لبنان سيؤدي الى دومينو تراجع المسيحية في سائر المشرق، وخسارة مهد المسيحية الروحي والجغرافي الذي تمثله الكنائس الشرقية بالنسبة لروما، والى فقدان رباط عاصمة الكثلكة مع موطن المسيح. المثير ان الفاتيكان كان يطلب من المسيحيين العودة الى جذورهم المشرقية وأن يفيدوا من الثروة الروحية للكنائس القديمة في الشرق التي كانت مهد عقيدتنا فكان موقف الفاتيكان انقلابا تاريخيا. ولأول مرة في تاريخ روما، اعترف المجمع الفاتيكاني الثاني بخصوصية الهوية الطقسية للكنائس المشرقية التي تعتمد النظام البطريركي والروحانية الانطاكية والتنسك في رسالتها، وكانت تجسيدا للنفسية المسيحية الأولى"، وتم اعتماد ناموس قانون الكنائس الشرقية للعام 1990.

جال مبعوثو البابا في لبنان لحضّ المسيحيين على البقاء في ارضهم، وزار سلفستريني قرى صور وصيدا. وانسجاما مع سياسته تجاه الدولة اللبنانية، نصح الفاتيكان المسيحيين العام 1992 بالتخلي عن مقاطعتها عندما كان الاحباط يترجم انسحابا للمسيحيين من الحياة السياسية اللبنانية ومقاطعة الانتخابات، ما عمق الانحسار المسيحي. وحذر من ان عدم مشاركتهم في الدولة سيؤدي الى تراجع مكانتهم في مؤسساتها وغياب تمثيلهم في الادارة العامة، مما يؤدي حكما الى ضرب اسس التعايش اللبناني. وهذا ما قاله سلفستريني بشكل صارم في اجتماع مع مجلس البطاركة والمطارنة الكاثوليك في بكركي، وان غاية السينودس، هي للتفاهم والمصالحة وليس المقاطعة والتشدد. وان على المسيحيين التوقف عن البكاء على الاطلال والعيش في الماضي وذكرياته.

شكل السينودس ساعة الحقيقة بالنسبة لمسيحيي لبنان ومستقبلهم في المشرق، فانعقد في روما في 27 تشرين الثاني 1995 لمدة ثلاثة اسابيع، بعد 4 سنوات من التحضير، بحضور 120 شخصا: سبعة بطاركة و11 كاردينالا و21 رئيس اساقفة و17 مطرانا و10 رؤساء ومسؤولي رهبانيات و17 خبيرا باختصاصات عدة ومساعدي امين عام السينودس، و25 رجال دين مسيحيين وراهبات وممثل لمجلس كنائس الشرق الاوسط و8 مبعوثين من كنائس غير كاثوليكية وديانات اخرى: 5 من كنائس ارثوذكسية و3 من طوائف مسلمة. جاؤوا من لبنان طبعا، ولكن ايضا من سورية والعراق (بطريرك الكلدان روفائيل الاول بيداويد) وفلسطين ومصر، ما جعل السينودس من اجل لبنان سينودسا من اجل مسيحيي المشرق كافة. وانعقدت اجتماعات خاصة حضرها كل الكاردينالات والمطارنة الكاثوليك في الفاتيكان باشراف البابا نفسه لمناقشة مستقبل لبنان وكنائسه.

وتلت هذا السينودس زيارة البابا الى لبنان في 10 – 11 ايار 1997 وهي الاولى الى بلد عربي، حيث كانت فحوى رسالته الاصرار على اللبنانيين مسلمين ومسيحيين للتطلع الى ما يجمعهم والعمل معا لخلق بلد جديد مبني على التفاهم والاحترام المبتادل.



البابا في بيروت

كان مسيحيو لبنان يعولون على زيارة البابا، وباتت المقارنة بين زيارته لبلده الاصلي بولندا وتحريرها من الهيمنة السوفياتية وبين زيارته للبنان وتحريره من هيمنة سوريا مسألة تطرح في الاوساط المسيحية. فيما دعا بعض المسيحيين الى التعامل الواقعي مع الزيارة فعلق فؤاد بطرس: "قال لي البابا العام 1979" بلدكم لبنان يذكرني ببولندا"، ولكن ما حصل في بولندا من قلب الطاولة على موسكو كان تدخلا كبيرا من المخابرات الاميركية والادارة الأميركية في التحول التاريخي في بولندا. وجاءت زيارة البابا هناك كعامل مساعد زاد من سرعة التحول على المستوى الشعبي. وهذا الدور الاميركي ليس مطروحا اليوم في لبنان".

عندما وصل البابا الى مطار بيروت ووطأ ارض المطار قال "في خطى المسيح" ثم قبل حفنة تراب ذاكرا بأنها تراب لبنان المقدس. وكانت الحكومة اللبنانية قلقة ان ينتقد البابا الدولة اللبنانية لانها تهمش المسيحيين ولا تحترم حقوق الانسان والحريات العامة، كما فعل في بولندا، = وخاصة بعد تصريحه للصحافيين: "انا آت الى لبنان، لبنان السيد". فمُنعت مظاهر تحدي الدولة التي كان رأس الحربة فيها التيار العوني، كرفع لافتات تنادي "حرية، سيادة، استقلال". ومع ذلك لم يُمنع ظهور صور ميشال عون وسمير جعجع في الطرق التي مر بها البابا وفي ساحة الشهداء. وكلف الجيش بتأمين الحماية للبابا ففرّغ لهذه المهمة عشرون ألف جندي توّلوا تنظيم الحشود الضخمة التي خاطبها البابا في بيروت وحريصا.

أول الحشود التي استقبلت البابا لم تكن مسيحية، بل من أطفال ضاحية بيروت الجنوبية وأغلبهم من الشيعة، حيث وقفوا صفوفاً طويلة على الطرق المؤدية من المطار الى قصر بعبدا، يلوحون بالعلم اللبناني وعلم الفاتيكان الأصفر. ثم التقى البابا حشداً ضم 50 الف شاب مسيحي في كاتدرائية سيدة حريصا وأمام هذا الحشد وقع وثيقة الارشاد الرسولي من 194 صفحة عنوانها رجاء جديد للبنان. ودعا الشبيبة الى اعتناق هذا الارشاد كرسالة تجديد للكنيسة وللبنان: "ابنوا جسوراً جديدة من التواصل بين صفوف الشعب ومع العائلات والجماعات. بادوار بخطوات تعيد اللحمة مع الآخرين وتحول الريبة الى ثقة. وأول خطوة تتمنونها لبلدكم يجب أن تكون تغيير ما في القلوب. لا تنسوا هويتكم المسيحية، إنها مجدكم ورجاؤكم ورسالتكم".

أما الحدث الأكبر فكان القداس في الهواء الطلق في وسط بيروت، الذي نظمته الكنيسة. وفيما توقع المنظمون ان لا يزيد عدد الحضور عن 150 ألفاً كانت المفاجأة الكبرى حضور أكثر من 550 الفاً، ما اعتبر أكبر حشد في تاريخ لبنان حتى تلك السنة. من جونيه حتى مرفأ بيروت، كان ثمة 100 الف شخص يملأون الطرق. ولم يصدق البطريرك صفير والمطارنة ما رأوا: الكنيسة ما زالت بخير ومسيحيو لبنان ما زالوا قادرين على الحشد بأرقام كبيرة. وكانت المرة الاولى منذ نهاية الحرب التي يستيقظ فيها المسيحيون ويعبرون عن مشاعرهم علناً، وحضر القداس كل بطاركة الكنائس الشرقية كتعبير عن الوثاق الذي يربط روما بالشرق.

ورحّب البطريرك صفير بالبابا واصفاً الزيارة بأنها "البلسم لجراحنا"، وقارن زيارة البابا بزيارة المسيح لصيدا قبل ألفي عام، واستعاد صفير دعم البابا للبنان خلال حربه الطويلة والسعي لاقناع الدول الكبرى بمساعدة لبنان وجهده الشخصي المتواصل منذ 1978 ما أفسح المجال أمام المسيحيين للتقرب من بعضهم البعض، وسمح لكل اللبنانيين بأن يتحاوروا على المسائل التي تجمعهم. وشدّد البابا في كلمته على محبته ومحبة الكنيسة الكاثوليكية لبنان وكل اللبنانيين مسلمين ومسيحيين، ووجه "تحية خاصة الى القادة المسلمين والدروز". واضاف: "نريد من العالم أن يعرف أهمية لبنان ورسالته التاريخية. لعدة قرون برهن هذا البلد ان جماعات متعددة تقدر أن تعيش معاً بسلام واخوة وتعاون، وأن احترام الحرية الدينية لكل فرد هي ممكنة وأن جميع المواطنين موحّدون في اخلاصهم ومحافظتهم على تراث أجدادهم الروحي، وخاصة تراث الراهب مار مارون".

وشدد البابا على التراث المسيحي الضارب في القدم في لبنان، وهنأ اللبنانيين بأن المسيح بشرهم بالمسيحية بنفسه اثناء كرازته التي أوصلته الى جنوب لبنان، وهذا ما اعتبره البابا "امتيازاً فوق العادة ان يكون لبنان من بين الأوطان الاولى في العالم التي قطنها مسيحيون، وأن يكون لبنان جزءاً من الارض المقدسة، أرض الانجيل، من صور الى صيدا وجنوب لبنان حيث يتعذّب الشعب اللبناني هناك اليوم… إن آلامكم في السنوات السابقة لن تذهب هباء، بل ستقوّي وحدتكم وحريتكم… وعلى لبنان أن يصبح ديموقراطياً أكثر باستقلالية أكبر لمؤسساته وباعتراف لحدوده، وهذه شروط ضرورية لضمان وجوده كدولة".

كانت الزيارة ومعها الارشاد الرسولي قمة تدخل الفاتيكان وأن ثمة اشياء يقدر الفاتيكان ان يقوم بها لاجل مسيحيي لبنان. لقد كرم البابا البطريرك صفير كما لم يفعل مع كاهن كاثوليكي من قبل. فكان صفير معه في كل ساعة من الزيارة وفي سيارته المكشوفة والى جانبه في كل اللقاءات العامة والقداديس، كما ان البابا سلم صفير شخصيا في حريصا نص الارشاد الرسولي وعانقه.

شرح الارشاد الرسولي ان هوية لبنان السياسية تتميز بجذور دينية، فان مصير المسيحيين في الشرق مرتبط بمصير لبنان ورسالته المحددة تجاه محيطه. ولكن مصير لبنان لا يتحمل مسؤوليته المسيحيون وحدهم بل المسلمون ايضا، كـ"شركاء في اعادة بناء البلد" في بيئة واحدة "تحترم التقاليد الدينية والثقافية" لابنائها"، وضرورة ان يحافظ المسيحيون على التوازن مع المسلمين حتى يمكن ان يكون الحوار معهم على قدم المساواة، على الاقل في لبنان. والهجرة تهدد الوجود المسيحي وتجعل هذا النوع من التوازن غير ممكن. ولم يكن البابا يريد ان يكون الغرب نموذجاً لمسيحيي لبنان كي يحفظوا هويتهم الدينية، ومن المهم جدا "على لبنان المنفتح على كل الحضارات والافكار التي تظهر في العالم، ان لا يدع نفسه يستسلم لرياح العلمنة الغربية وان يحافظ على تراثه الروحي الانطاكي".

حسمت زيارة البابا العام 1997 بعض الخلافات حول هوية لبنان. فها هي اعلى سلطة كنسية في العالم تريد التزاما مسيحيا في موضوع الانتماء الى العرب، وتريد من المسلمين توكيداً على نهائية لبنان في اذهانهم. ويمكن لزيارة البابا بينيديكتوس السادس عشر نفس الوقع الايجابي في استعادة اجواء الثقة والحوار للبنان.

الحلقة الأولى: البابا ولبنان منذ أقدم العصور إلى اليوم [1 من 2]

Exit mobile version