#dfp #adsense

إنه أعظم منهم ولكن هل هو أقدر؟

حجم الخط

اللبنانيون يُجمعون على الترحيب بالبابا، في ظاهرة وحدة قلما تحدث في زمن التوتر الذي يتم التعبير عنه حالياً بالانقسامات الموروثة أو المفتعلة. وتأتي الزيارة في مرحلة التحولات العربية التي لا تزال محط اهتمام العالم كله، وبخاصة التحول السوري وهو الحدث الدولي الأول مند أشهر عدة.

فالبابا الذي أدرج هو نفسه زيارته في أجواء السلام عبر خطابه يوم الأحد الماضي، والذي وصفه الكثيرون بأنه رجل المحبة والسلام، لا يؤدي في الحقيقة مهمة سلام، بالمعنى السياسي أو الديبلوماسي المتعارف عليه. وليس ذلك لأن أحداً لم يكلفه بذلك في المجتمع الدولي، بل لأنه هو فوق المهمات من جهة، ولأن طبيعة تحركه ملتصقة بطبيعة رسالته التي تختلف عن مراكز جميع المقررين في العالم.

ومن أراد أن يقترب أكثر من رسالة البابا عليه ربما أن يتذكر تلك الصورة التي لا تزال راسخة في أذهان الكثيرين إثر وفاة البابا يوحنا بولس الثاني عام 2005، عندما حضر الرئيس الأميركي جورج بوش الابن مع والده الرئيس الأسبق جورج بوش والرئيس السابق بيل كلينتون وجثوا ثلاثتهم أمام الجثمان. أي أن ثلاثة من الذين عرفوا العظمة من خلال ترؤسهم أكبر دولة في العالم، وجدوا أنفسهم منساقين الى الركوع أمام جثمان الحبر المتوفي، والذي يوصف بالحبر الأعظم. فهو أعظم منهم. وذلك قبل أن يسلك تطويب البابا الراحل طريق القداسة.

إنه أعظم منهم ولكن هل هو أقدر منهم؟ وهنا كل سر الفاتيكان.

ولذا عندما يسأل اللبنانيون، وبينهم عدد كبير من صانعي الرأي، ماذا بإمكان البابا أن يفعل، أن يفعل لمسيحيي الشرق، أن يفعل للبنان، فإنهم يتجاهلون ربما، أو أن البعض يجهل بأن هذا الكبير الذي تحيط به هالة لا مثيل لها في العالم، إمكانيات عمله محدودة.

إنه وريث القديس بطرس، ذاك الذي جعله المسيح صخرة الكنيسة، وهنا صفته الأساسية. فهو يرأس اليوم الكنيسة الكاثوليكية في العالم التي يبلغ عدد المنتمين اليها حوالى مليار و300 مليون نسمة، في القارات الخمس. وله سلطة روحية عليهم وبخاصة في البلدان التي فيها حضور مؤثر للكنيسة مثل ألمانيا وايطاليا وإسبانيا وايرلندا وبولونيا في أوروبا، أو الفيليبين والولايات المتحدة وجميع دول أميركا اللاتينية. فالكرادلة الموجودون في تلك الدول يعيّنهم البابا وليس ذلك بالقليل. ففي تلك البلدان أحزاب، مثل الديموقراطية المسيحية في ألمانيا وايطاليا وغيرهما، لها توجهات مسيحية أي كاثوليكية. كما أن للأفراد علاقات مباشرة مع الكرسي الرسولي، في مجالات الأحوال الشخصية في البلدان التي تترك للطوائف ذلك المجال. فعلى سبيل المثال إن اللبنانيين من الطوائف المسيحية الداخلة في الاتحاد مع البابا بإمكانهم في حالات النزاعات الزوجية أن يستأنفوا الى الفاتيكان، الى محكمة "الروتا"، أو الى غيرها من الدوائر القضائية في مجالات أخرى، كمرجعية قضائية أخيرة.

ولكن ليس كل المسيحيين في العالم هم كاثوليك. فهنالك الأرثوذكس في كنائس روسيا وأوروبا الشرقية واليونان ومصر والحبشة والشرق الأوسط، وهنالك البروتستانت بكل مذاهبهم، فضلاً عن الأنغليكان، وهم يعدون بمئات الملايين.

على أنه ليس في هذه الطوائف مرجعيات تراتبية على مستوى الكنيسة الجامعة. أي أن بطريرك روسيا هو لروسيا، واليونان هو لليونان وانطاكية هو للشرق الأوسط في ما يعود الى الأرثوذكس، أما البروتستانتية فيتجاوز عدد المذاهب فيها الثلاثمئة مذهب، ومنهم من يعتبر الكتاب المقدس مرجعيته المباشرة.

وفي الوقت ذاته إن البابا، ولأسباب تاريخية هو رئيس دولة، أصغر دولة في العالم مساحتها 0,44 كلم2. ولكنها ليست دولة فيها مواطنون، والذين يحملون جواز سفر الفاتيكان هم الموظفون فيه فقط.

فالبابا يدير الكنيسة الكاثوليكية وتعبير كاثوليك هنا هو لكل مسيحي متحد مع البابا ومن خلال مكان جغرافي اسمه الفاتيكان. فالفاتيكان هو المكان الذي يقيم فيه البابا لإدارة الكنيسة الكاثوليكية في العالم.

يبقى السؤال: ما هي وسائل عمل البابا، وماذا بإمكانه أن يفعل؟

الوسيلة الأولى هي الكنيسة نفسها من خلال التوجهات الصادرة عن رأس الكنيسة.

والوسيلة الثانية هي الديبلوماسية، لأن للفاتيكان علاقات ديبلوماسية واسعة وكلمته مسموعة حين لا تتضارب مع مصالح الدولة. لأن الفاتيكان هو المرجعية الوحيدة في العالم التي لا تتعامل مع الآخرين على أساس المصلحة بل على أساس القيم وحقوق الإنسان، من هنا قوته، ومن هنا محدودية وسائل عمله.

الوسيلة الثالثة هي الإعلام. فالبابا يحرك الملايين، ويحرك وسائل الإعلام العالمية، ويلقي الضوء بالتالي على القضية التي ترافق تحركه. وتحرك البابا هو حدث كبير والبابا الراحل يوحنا بولس الثاني أحدث تغييرات أساسية في العالم من خلال حركته وكلمته، فأسهم في إسقاط الأنظمة الشيوعية في العالم، وكان قد قال عند تنصيبه في خريف 1978 كلمته الشهيرة: لا تخافوا.

إنه يأتي الى الشرق من خلال لبنان، ليلقي الضوء على قضية مسيحيي الشرق. هذا هو الهدف الأول للزيارة. ولكنه يجيء أيضاً الى لبنان.

هل بمستطاع البابا أن يطمئن المجموعات القلقة على مصيرها؟ إنه سيحاول ذلك. فالمسيحيون في دول الشرق الأدنى كانوا قد بدأوا يعانون المشاكل قبل حدوث الانتفاضات العربية. وموجات الهجرات التي طالتهم حدثت لأسباب متنوعة، في مصر والعراق وسوريا وفلسطين وحتى لبنان. ولذا فإن لكل بلد خصائصه على هذا الصعيد وغيره. ولكن ما يجمعهم في القلق هو عدم الاستقرار وتقلص الحريات إثر قيام أنظمة ديكتاتورية. وقد شكل نشوء إسرائيل والقضية الفلسطينية وما تبعها من حروب ونزاع عربي إسرائيلي العامل الرئيسي في تزعزع الاستقرار وبروز الصراعات داخل البلدان العربية وخارجها. وكلها عوامل أدت الى موجات كثيفة من الهجرات المسيحية الى الدول الغربية، وبعد أن كان عدد غير قليل من مسيحيي مصر وسوريا قد غادروا الى لبنان إثر سياسة التأميمات التي اعتمدتها يومذاك الحكومتان المصرية والسورية.

أما مسيحيو العراق الذين غادروا بكثافة بعد العنف الذي تبع الاحتلال الأميركي، فإنهم كانوا من بين الذين تركوا العراق بحثاً عن أمان. ولكنهم تعرضوا أكثر من غيرهم للاضطهاد، مما زاد في النزيف الذي لم يوقفه الوجود الأميركي.

فالبابا الذي كان دعا الى مجمع خاص لمسيحيي الشرق في خريف 2010، يأتي ليوقع الإرشاد الرسولي الخاص بهم في لبنان، ويعلن نشره.

إنه بالتالي يلقي الضوء على هذا الواقع، ويشير الى الحلول، من خلال مستند اسمه "الإرشاد"، الذي يضم كل قضية مسيحيي دول الشرق الأدنى. وهو يلزم بالدرجة الأولى الكنيسة في هذه الدول، والمسيحيين التابعين لها، بعيداً عن منطق الحمايات الذي ساد في الأنظمة الديموقرطية وحقوق الإنسان، والتي تضم حرية المعتقد وليس فقط حرية العبادة. وقد سبق للكرسي الرسولي أن أعلن مواقفه هذه بمناسبة التحولات التي شهدتها دول المنطقة.

البابا يزور الشرق عبر لبنان، في زمن التحولات المصيرية فيه. ولا شك في أن كلمته ستعطي زخماً إضافياً للقيم التي نادى وينادي بها دعاة التغيير الى الأفضل، مع الفارق، أن البابا هو قبل كل شيء رجل سلام.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل