Site icon Lebanese Forces Official Website

قداسة البابا مع شيخ الأزهر والسيّد السيستاني، متى؟

لا يخاف مسيحيّو لبنان والشرق الأوسط من الربيع العربي، فهم صانِعوه مع شركائهم المسلمين بمعمودية دم الحرية. فالربيع كلّ ربيع رجاء جديد. ومفصليّة لا خوف المسيحيّين قائمة في لاهوتهم أولاً، فهو لاهوت حبّ وقدرة على مقاومة اليأس والتيئيس، كما محاولة إثارة الذعر المفتعلة بخلفيات خبيثة. وفي تاريخهم الحضاريّ ثانياً في هذا المشرق التعدديّ.

من هنا يأتي قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر الى لبنان الرِّسالة ليؤكد على هذا الربيع الرجائي المتجدِّد، لا ليَحمِله إلينا مُبشِّراً، ففي صلب قناعة قداسته، وفي هذا يجب العودة الى مُقارباتِه اللاهوتية التاريخانيّة، في صلب قناعته أن المسيحية المشرقية، ومن حيث هي أساس انطلاقة المسيحية، ومن خلال تآخيها الاستثنائي مع الإسلام واليهودية (وليس الحديث هنا عن تلك المتصهينة والعدوانية)، هي الأقدر على بلورة القِيَم الإلهيّة في فعلٍ حياتيّ يوميّ على قاعدة احترام التعددية وحقوق الإنسان والحرية والديموقراطية والحق بالاختلاف والعدالة الاجتماعية والاعتدال والحوار، كما نبذِ كُلِّ مساحات التطرّف والعصبية والعزل والانعزال والإقصاء والإلغاء.

وتأكيد قداستِه، من موقعه كمتقدَّمٍ بين متساوين على رؤساء الكنائس كافة، بما هو خليفة بطرس على كرسيّ روما، على أن مسيحيّي الشرق الأوسط مدعووّن الى الشهادة لإيمانهم، من خلال التزامهم بقضايا أوطانهم، يحتمِلُ التفكُّر في إلحاح ألّا تتوقّف زيارتُه لبنان على احتفاليَّة، مُهمةٍ في رمزيّتها، إنما الأهمّ فيها قُدرَة على عيش هذا الالتزام، وإلّا ندخُل في بعض التّمتحُف والشعاراتية اللذين سادا، وللأسف، بعض التعاطي مع الإرشاد الرسوليّ الخاص بلبنان والذي أُطلِق مع أواخر التسعينيات.

بطبيعة الحال لم يعُد يخفى على أحد الطابع المسكونيّ لهذه الزيارة، والتي أرادها قداسته الى لبنان، بدلالاتٍ مسيحية – مسيحية، ومسيحية – إسلامية، كما في إشارة الى رفض الكنيسة رفضاً حاسماً لاستمرار استغلال اليهودية صهيونياً بغية شرعَنَةٍ كاذبةٍ لاغتصاب فلسطين.

فالطابع المسيحيّ – المسيحييّ للزيارة، والإرشاد الرسولي الذي سيُسلَّمُ فيها، يتجلّى في قناعة بأن المسيحيين المشرقيين موحَّدو الهموم والهواجس ويواجهون التحدّيات عينها، كما هم مدعووّن الى تجاوز التَّمايز العقيديّ أو التاريخيّ، لصالح ترسيخ شهادة واحدة هَمُّها كرامة الإنسان.

أمّا الطابع المسيحيّ – الإسلامي في الزيارة والإرشاد، فقائم في تكريس استراتيجية تزخيم القيَم المشتركة بين المسيحيين والمسلمين، كما تمتين تطلّعاتهم معاً الى مفهومي المواطنة والدولة المدنية كخيارٍ نبويّ، تحتِّمهُ خُبرات التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والتنوّع الثقافي، بما يواجه، وبشكلٍ حاسم، تسويق الديكتاتوريات على أنها حامية للأقليات أو الأكثريات على حدِّ سواء، كما يواجه بشكل أكثر حسماً أيضاً نزعات المدِّ الأصوليّ (والحديث عن معانيه المتطرّفة هنا) في مُقاربة وقائيّة تشارُكيّة مسيحية – إسلامية، أكثر منه انزلاقاً في دوامة افتعال الفزّاعات وفَبركة مناحي التهويل والاسترسال في عراضات النحيب على مستقبل سيتبدّى مُرتجاهُ أكثر ألقاً، إن أحسَنّا الاستثمار فيه، إخراجاً لمجتمعاتنا من وحول أكثر من ستّة عقود من التخلّف.

وإن ننسى فلن ننسى الإعلان الصريح لأركان السينودس، وإبّان انعقاد أعماله، لجهة رَفض العدوان الإسرائيلي المتمادي على فلسطين إنساناً ومقدَّسات، وتحديداً رفض تسخير الدين لتحقيق مآرب سياسية بإيديولجيّات تقتاتُ من أشلاء الضحايا أصحاب الحقوق الأبرياء، إلّا من كونهم مناضلين ضدّ ظلمٍ شبيه بذاك الأوشفيتزي. وفي هذا الإعلان الذي استند الى وثيقة "وقفَة حقّ" التي أطلقها مسيحيّو فلسطين، بدايةُ إشارةٍ الى أنّ الفاتيكان بات على مقرُبة من وضع النقاط القاسية على الحروف مع إسرائيل، وهو ليس ببعيدٍ عن الخيارات الفلسطينيّة المتَّخذة أخيراً في شأن عملية السلام.

في كلِّ ما سَبَق، يتبدّى قداستُه، وعلى الكثير من الرسائل الجيوبولتيكيّة التي سيوجِّهها في زيارته على مدى الأيام الثلاثة المقبلة الى لبنان، يتبدَّى واعداً مِنهُ لَو بادَر وبعد الزيارة، ويا ليت القيادات عندنا الزمنيّة والروحية تنبّهَت الى ذلك، يتبدّى واعداً لو بادَر الى دعوة فضيلة شيخ الأزهر، وسماحة السيّد السّيستاني الى لقاء مشترك يصدرون فيه معاً إرشاداً رسُولياً مسيحياً – إسلامياً عالميّاً بسياق العروبة الحضارية، حينها وحدها تُحسَمُ الخيارات الاستراتيجية، ويتوقّفُ أولئك المتلاعبون بِنَفَس الأقلويّة، ووتَر الأحلاف الزائفة، وستائر الحمايات البائدة عن غِيِّهم، حينها نعودُ معاً رجائييّن، ونُعايِشُ ربيعاً يفوح منه أريجُ العدالة…

حينها تكون سماءٌ على الأرض من الشرق!…

Exit mobile version