بمناسبة زيارة الحبر الأعظم لبنان، بدأ المشهد الامني والسياسي يتبلور متجانسا متوافقا في ما بين الاخوة المتخاصمين، لدرجة اعتقادنا اننا قد شفينا من الورم السرطاني للسياسة اليومية.
فعلى رغم الإشكالات الامنية التي حصلت في الفترة الاخيرة في الشمال وغيره من المناطق… وعلى رغم عمليات الخطف والخطف المضاد التي هزّت الرأي العام العالمي والكيان اللبناني، والتي اعادت لنا ذكريات الحرب الاهلية وفظاعتها… وعلى رغم الاشاعات التي تناولتها الصحف، ومفادها أن الحبر الاعظم سيؤجل زيارته للبنان بسبب الوضع الامني… على رغم كلّ ذلك أصَرّ رجل السلام رأس الكنيسة على المجيء، وكأنه بذلك يؤكد للعالم بأسره انّ هذا الوطن الفريد بتركيبته الطائفية هو المثل الذي يجب على العالم ان يقتدي به، وليثبت من خلال تلك الزيارة انّ هذا الوطن هو الصخرة التي ستبني، وبسواعد أحراره من المسيحين والمسلمين، مداميك الرجاء لتعايش افضل بين الطوائف، ولقبول الاخر.
فجوهر زيارة رأس الكنيسة على ما هو ظاهر، هو التشبث بلبنان وفسيفسائه الطائفية الفريدة، على رغم حجم الفلتان الأمني والمعيشي المستشري الذي يشهده بلدنا العزيز. بيد ان تغطية العورات وسد الفجوات لإنجاح الزيارة، ألقت بثقلها الهادئ على الوضع السياسي في لبنان.
فبعد أن رحّب ممثلو الأحزاب الطائفية اللبنانية بهذه الزيارة، وحسناً فعلوا، اذ جنّدوا جميع وحداتهم واجنحتهم للتنسيق مع القوى الأمنية اللبنانية من اجل استتباب الأمن وإبراز الوجه الحضاري للبنان. وفي السياق عينه تم تزفيت الشوارع التي قد يمر بها قداسته وإنارتها، و قد زيّنت بيافطات الترحيب وبأعلام دولة الفاتيكان الى جانب العلم اللبناني، وبسحر ساحر استتب الامن وبات كل شيء على أفضل ما يكون.
فيا ليت قداسته يأخذ من لبنان بلداً ثانياً له كي ننعم بهذا الاستقرار والاجماع الطائفي والسياسي حول لبنان الواحد الموحد، المضياف والكريم بخلقه واخلاقه، والبعيد كل البعد عن التجاذبات الاقليمية المعقدة. لعلّ هذا هو السبب الحقيقي لزيارة الحبر الاعظم، ونحن اليوم نعيش تداعياتها على الساحتين الامنية والسياسية.
فبالنسبة لبعض المنظرين، قد يكون سبب زيارة الحبر الأعظم، رعوي ضيق الأبعاد، يطال فقط مسيحيي لبنان من دون سواهم، وبالتالي فالزيارة لا تعني لهذا البعض سوى القليل.
وقد يكون بالنسبة للبعض الآخر خشبة الخلاص لمعاناة مسيحيي الشرق الأوسط الذين يتعرضون للفقر والتهجير وتبعات التجاذب الديني السياسي.
وبالتالي، فهذه الزيارة مهمة وقد تعيد الأمور الحياتية والسياسية بالنسبة للمسحيين إلى نصابها الحقيقي.
بيد أنّ واقع الحال يتعدى النظريتين المشار إليهما، ويتجاوزهما ليصِل إلى حقيقة وجود لبنان. فقداسته يرى ما لا يراه الجمهور الحزبي الطائفي التابع لهذا أو ذاك الممثل الطائفي السياسي، لأنه يرى لبنان بحقيقته، بلد الأقليات الدينية المتعايشة في ما بينها، بلد الرسالة، بلد التسامح والمحبة والألفة، وليس كما يراه البعض بلد الحرب والخطف والخطف المقابل.
لأنّ قداسته يرى ويسمع ويصلي للبنان لتجنيبه من الويلات اذا دقّت طبول الحرب في الشرق الأوسط، والكلّ يعلم انه سيكون هناك غالب ومغلوب، فالغالب نجهله كائناً مَن كان، فهو غريب عن واقعنا وحضارتنا وتراثنا، أما المغلوب فسيكون حتماً لبنان بصيغته الفريدة.
فمَن لا يشاهد في ملامح كلّ لبناني وقلبه، مهما كانت طائفته، جرس كنيسة ومئذنة جامع، فهو ليس بلبناني مستحق لجنسيه، بل هو غريب أعمى القلب والبصيرة.
ولأننا اليوم نعيش تداعيات هذه الزيارة المباركة، من خلال الاستقرار الامني والسياسي اللذين ننعم بهما منذ بداية هذا الاسبوع، وهما اثبتا للعالم وللدول الشقيقة أن لبنان حالة فريدة بحدّ ذاته ومن المفيد مساعدته في محاربة الجوع والفقر والحرمان، من خلال نشر ثقافة التعايش بدلاً من ثقافة التناتش والمحسوبيات الاقليمية.
فعلى أمل ان يكون الارشاد الرسولي مرشداً لأبناء الوطن اولاً، ولزعماء الطوائف السياسية ثانياً، نتمنى لقداسته، من خلال الرسالة التي قد يحملها للعالم أجمع، أن يجنب لبنان أهوال الحرب الإقليمية التي أصبحت قريبة جداً.