مسلمو هذه الديار… بالشراكة والتآلف والتكاتف مع اخوتهم المسيحيين، يرحبون بكم، فانتم رمز لإخوتهم في الوطن، وقد الفوا العيش والتآخي والتلاحم ما بينهم وبين الجناح اللبناني الآخر، فأصبحتم من هذا المنطلق، رمزا من رموز هذا الوطن بكل فئاته، الساعي إلى مزيد من التكاتف والتآلف والعيش المشترك، ورسالتكم السامية وقدومكم إلى هذا البلد يصب في هذا الإتجاه.
لقد أخترتم لبنان لإطلاق رسالتكم حول السينودوس المستجد بمبادئه وإرشاداته الموجهة إلى مسيحيي الشرق، ناظما لآفاق ونوعية وحقيقة علاقاتهم مع مسلمي المنطقة، وإن اختيار لبنان لإطلاق المواقف والإرشادات والتوجيهات الفاتيكانية، ما هو الا توجيه وتركيز للضوء، على هذا البلد المتميز منذ أن كان كيانا توفيقيا بإرادة دولية كبرى، وبموافقة لبنانية نشأت آنذاك، سادها في البدء، حذر وترقب، ومن ثم اشتد عضدها والقناعة بها والإلتفاف حولها، ليكون لبنان، بلد العيش المشترك الذي ينشر رسالته في هذا النطاق على العالم بأسره، كنموذج يحتذى حيثما كانت هناك حالات مماثلة وأحوال مشابهة.
غدا… أنتم بيننا، ولبنان مجمع على استقبالكم بما يليق بقداستكم وما يليق بهم، وطالما أنكم اخترتم هذا البلد، لتطلقوا منه توجيهات السينودوس الجديد، لتصب في الجهد الأكبر الذي تبذلونه لملاقاة الآخر في دينه وإيمانه وعقيدته، وما كانت الأديان السماوية وفي طليعتها الإسلام والمسيحية، الا مدعاة أمن ومحبة وسلام، وإذ نعكس هذه الرسالة التي تحملونها على صعيدنا المحلي وبعيدا عن التفاصيل والمواقف السياسية والمواجهات المحلية الضيقة، وحرصا منا على أن تنجح رسالتكم ليصيب نجاحها لبنان واللبنانيين جميعا, فإننا نلحظ بأن بعضا من الواقع المؤسف الذي يسود هذا البلد لدى بعض من القيادات المسيحية، يخالف قولا وعملا، إرشادات وتوجهات وتوجيهات السينودوس الجديد بما قد يؤدي لا سمح الله في حال استمراره، إلى عكس ما ترمون وتصبون إليه وتعملون له.
فهل من المعقول أن يصرح البعض، أن تغيير النظام في سوريا قد يقضي علينا وعلى لبنان فإذا بهذا البعض يربط مصير لبنان واللبنانيين بمصير نظام، حكم على نفسه بالزوال، بل هو زائل لا محالة، فلا يبقى في ساحة البقاء إلا الشعب السوري, وقدر لبنان، ليحيى ويستمر بسلام ووئام، أن تصفو علاقاته بالشعب السوري الباقي والمستمر إلى ما شاء الله، جنبا لجنب مع الشعب اللبناني، شريكه وشريك كل الشعوب في الحياة وفي البقاء والإستمرار!!
وهل من المعقول أن يطلق البعض صفارات الإنذار والتشكيك والتحريض، تجاه شعوب الربيع العربي، محاكما تلك الشعوب، على نواياها المفترضة والمختلقة من قبله، وناقدا ومهاجما بعض التوجهات الإسلامية التي وصلت ديمقراطيا إلى الحكم.
هل تآلف الأديان وتآزرها يكون بمشاكسة مسبقة ما بين ابنائها بمثل المواقف التي ما فتئت تهاجمها وتهاجم سلفا مواقفها المفترضة، وهل المطلوب الإبقاء على الديكتاتوريات الفاسدة ومعاداة شعوب بكاملها في وقت يمكن أن تتم فيه المعالجة لأية اشكالات مستقبلية محتملة بمثل رسالة قداسة البابا خلال السينودوس الجديد.
هذا البعض، ومن يدورون في فلكهم، يدقون منذ الآن، أسافين الخلاف مع الشعوب العربية الثائرة، مفترضين أنها ستكون ضدهم وضد لبنان، ومستعدية تلك البلدان بسكانها وطاقاتها وعلاقاتها الوثيقة والشقيقة بهذا البلد، داعين، ولو بصورة غير مباشرة، إلى الإبقاء على الاضطهاد والعبودية التي كبلتها على مدى عقود طويلة من الزمن، ومهاجمين وجهها الإسلامي المعتدل الذي استلم القيادة في بعض البلدان وهو يستعد إلى استلامها في أماكن أخرى، وكل ما يتبدى أن قادته الجدد، يتابعون وحتى الآن، ممارسة ديمقراطية سليمة، والتحاسب معها يكون على ضوء الممارسة المقبلة والتجربة الكافية.
إن شعوب الربيع العربي تلقي بنظراتها المراقبة على مستجدات أوضاعها، منعا من أي انحراف نحو العودة إلى سابق الأوضاع الظالمة، وهم في ذلك، يبتغون خيرهم ومصلحتهم، لا خير ومصلحة بعض المتخوفين والمتحسبين والمحاسبين على النوايا المفترضة من قبلهم حيث يرتمي بعضهم في غياهب التعصب وينغمس في إطار المصالح الذاتية، الساعية إلى المواقع العليا كائنا ما كانت الظروف وكائنا ما كانت النتائج والخسائر والأضرار.
أهلا بقدومكم، قداسة البابا… ألا ليتكم تحمون بأية وسيلة من وسائل الحماية التي لديكم، لبنان وأهل الشرق الأوسط كله، ومبادئ وتوجهات وتوجيهات السينودوس الجديد الداعية دائما وأبدا إلى نبذ التعصب والفرقة والتنابذ.
ألا ليتكم تدفعون الجميع إلى صياغة علاقات متينة من العيش الموحد ما بين المسلمين والمسيحيين، في المنطقة العربية عموما، وفي لبنان خصوصا، وليكن هناك تعاون وتكاتف حول مواجهة الآراء التخريبية، وتوجيه فاعل يسهم في إزالتها من مجمل جهود التلاقي الإسلامي – المسيحي الذي يفخر لبنان بأن يكون مثالا متميزا فيه، وأن تكون زيارتكم إليه بدءا من الغد، منارة تضيؤه، حافلة بالإيمان والمحبة، ونحن واثقون بأن هذه هي الغاية من زيارتكم إلى بلاد الأرز، وأن إطلاقكم لمبادئ السينودوس الجديد من ربوعنا، هو رسالة سامية، تسهم في الجمع ما بين اللبنانيين وما بين المبادئ السماوية الإسلامية المسيحية.
وسيبقى لبنان واحدا موحدا، كائنا ما كان المخربون والمشوهون والعاملون على استعداء الآخرين عليهم.
