مسؤول غربي بارز وثيق الإطلاع على مضمون الإتصالات والمفاوضات السرية بين نظام الرئيس بشار الأسد والمسؤولين الأميركيين والفرنسيين والأوروبيين عموما رأى في جلسة خاصة في باريس "ان سياسة "المقاومة والممانعة" التي يعتمدها هذا النظام ليست مطابقة لمضمونها وتسميتها ولم تشكل ركيزة للدخول في مواجهة مع إسرائيل ومع الدول الغربية عموماً، بل إن الأسد إستخدمها من أجل تحقيق ثلاثة أهداف أساسية هي: أولاً – توفير تغطية مناسبة لمحاولة عقد صفقات سياسية وأمنية وإقتصادية مع أميركا والدول الغربية عموماً وللتفاوض بصورة غير مباشرة مع إسرائيل، ثانياً – تعزيز الدور الإقليمي لسوريا وتقوية نفوذها في الساحتين اللبنانية والفلسطينية، ثالثاً – توفير دعم شعبي داخلي للنظام ولسياساته وتوجهاته. لكن سياسة "المقاومة والممانعة" فشلت ولم تحقق أهدافها إذ انها لم تسمح للأسد بإنجاز أي تفاهم جدي مع الغرب، كما ان هذه السياسة لم توفر الحماية الداخلية للنظام ولم تمنع نشوب ثورة شعبية واسعة عليه نجحت في اضعاف حكمه وتقليص سيطرته على البلد تمهيداً لإسقاطه وتمكنت من عزله عربياً وإقليمياً ودولياً والقضاء على النفوذ الإقليمي الذي كان يحظى به سابقاً".
وأورد المسؤول الغربي البارز المعلومات والوقائع الآتية المتعلقة بهذه القضية:
أولاً – تفاوض المسؤولون الأميركيون والغربيون مع نظام الأسد لأنه التزم وتعهد رسمياً رفض إستخدام القوة العسكرية ضد إسرائيل من أجل إستعادة الجولان المحتل وعدم السماح بوجود تنظيم مسلح مشابه ﻟ "حزب الله" في سوريا ينشط ضد الإسرائيليين. وسعى الغربيون إنطلاقاً من هذا الالتزام الى تغيير السياسات الإقليمية للنظام السوري من طريق التحاور والتفاوض معه وحثوه على الإعتدال والتخلي عن محاولات الهيمنة على لبنان ودول أخرى ودعوه الى فك تحالفه الوثيق مع إيران. وفي ظل الحوار مع الغرب شجع نظام الأسد، بالتفاهم مع إيران، "حزب الله" على تفجير المواجهة مع إسرائيل التي تحولت حرباً صيف 2006، كما شجع حركة "حماس" في نهاية 2008 على رفض تمديد التهدئة الأمنية مع الدولة العبرية وعلى قصفها بالصواريخ فكانت الحرب المدمرة على قطاع غزة.
ثانياً – إستخدم نظام الأسد سياسة "المقاومة والممانعة" من أجل تحويل لبنان وفلسطين ساحتي مواجهة يتصرف بهما من أجل تعزيز نفوذه وضمان مصالحه وتقوية موقعه التفاوضي مع الدول الغربية على حساب المصالح الحيوية المشروعة للبنانيين والفلسطينيين. واشترط النظام السوري باستمرار على الحكم والأفرقاء في لبنان إحتفاظ "حزب الله" بسلاحه بمعزل عن سلطة الدولة، كما سعى الى إحباط كل محاولات التقارب والمصالحة بين الفصائل الفلسطينية.
ثالثاً – تصرف الأسد خلال مفاوضاته مع الأميركيين والغربيين على أساس انه يمسك بورقتي "حزب الله" و"حماس" وركز باستمرار على إستعداده للجم النشاطات العسكرية والقتالية لحلفائه اللبنانيين والفلسطينيين في مقابل تحسين العلاقات بين نظامه والدول الغربية وتعزيز التعاون معها في مجالات عدة وإعطاء الأولوية لمحاولة إستعادة الجولان المحتل سلمياً قبل إستعادة ما تبقى من الأراضي اللبنانية المحتلة وقبل تسوية النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي.
رابعاً – تصرف الأسد على أساس ان الدول الغربية تحتاج الى التعاون معه وانه "ليس ممكناً الإستغناء عن سوريا ودورها الإقليمي" ولذلك أعطى نفسه حجماً أكبر من حجمه الحقيقي وأراد أن يأخذ من الغرب من غير أن يعطي شيئاً فقطع للأميركيين والأوروبيين وعوداً كثيرة تتعلق بإيران ولبنان وفلسطين والعراق وقضايا أخرى لكنه لم يف بأي منها، وبقي متمسكاً بتحالفه الوثيق مع القيادة الإيرانية وحريصاً على التعاون معها في المنطقة في ساحات ومجالات عدة من أجل إضعاف نفوذ المعتدلين العرب وحلفائهم ومحاولة فرض شروط المحور السوري – الإيراني ومطالبه عليهم.
وخلص المسؤول الغربي الى القول: "وصل الحوار الأميركي – الأوروبي – السوري الى طريق مسدود قبل اندلاع الثورة الشعبية، لكن هذه الثورة دفعت الغالبية العظمى من الدول الى الإستغناء عن نظام الأسد والعمل على إسقاطه، كما ان هذه الثورة أظهرت ان ما يحتاج اليه السوريون ليس نهج "المقاومة والممانعة" الذي يشكل تغطية لسياسة توسعية خطيرة بل توفير مطالب حيوية مشروعة وإقامة نظام ديموقراطي تعددي يحقق المساواة بين المواطنين ويضمن التداول السلمي للسلطة من طريق إنتخابات حرة وشفافة".