من مسوِّق لقانون الأقضية المعروف بقانون الستين، الى محارب له.. يجيّش رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون أعضاء حزبه لشنّ حرب إلغاء على قانون القضاء! أي قانون يريد الجنرال؟ بإعترافه ومنذ فترة وجيزة أعلن أنه ليس خائفا من أي قانون، حيث أنه سيربح في كل الأحوال..
في 7 آب الماضي، وافق 8 وزراء على مشروع قانون الانتخاب على اساس النسبية في 13 دائرة انتخابية، مقسّمة بشكل عشوائي مع تأثير للصوت الشيعي في كل الدوائر.. والموافقة أعلنها صراحة الوزراء العونيون في حين عارضه بشدّة وزراء "اللقاء الديموقراطي"، فظهر وقتها التضارب الواضح بين رئيس "التكتل" ورئيس "اللقاء" وليد جنبلاط.
وما كاد يجفّ حبر التوقيع على قانون النسبية الذي انتجته حكومة السلاح، حتى قدّم النائبان العونيان آلان عون ونعمة الله ابي نصر في 10 أيلول الحالي، الى امانة سر مجلس النواب، اقتراح قانون معجلا مكررا يرمي إلى تعديل قانون الانتخابات النيابية. واقتراح القانون المذكور يقوم على مبدأ لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النسبية بحيث تنتخب كلّ طائفة نوابها، وهو ما يشبه الى حدّ كبير طرح اللقاء الارثوذكسي الذي أيده التيار الوطني الحرّ لحظه اقتراحه، ثم عدل عن ذلك.
لا شكّ في أن كل هذه المواقف مبنية على المتناقضات.. ولا تقتصر المواقف على الكلام فقط إنما تقود "الثقة بالنفس" وزراء التيار ونوابه الى التوقيع على مشروع قانون ومن ثم تعديله هكذا في غفلة أيام من الزمن.. فهل هم مقتنعون بالنسخة الأساسية أم بالتعديل أم يتهربون من قانون الستين بعدما اعتبره رئيس التكتل نصرا للمسيحيين؟ وعن أي نسخة يريد العونيون الدفاع ومن سيدفع ثمن تجارتهم بالقوانين؟
القصة لم تبدأ قبل شهور، بل قبل سنوات حين كان الجنرال في منفاه الباريسي، وتحديدا بعد عودته في اتفاق الدوحة.. أما الحدث الفاصل فكان يوم 7 أيار المشؤوم. وانطلاقا من الأحداث الأخيرة يمكن تفسير المواقف السابقة. فلا يمكن للجنرال أن يوافق على قانون اللقاء الأرثوذكسي الذي يرفضه كل من "حزب الله" وحركة "أمل" وقد عبرا عن ذلك في بداية العام الحالي.. إذا على الجنرال أن يرمي الفكرة جانبا. ولا بدّ من الإشارة الى أن عون بدا حذراً بداية الامر حيال هذا الطرح، الا انه لدى مناقشته على طاولة بكركي لاحقاً، اضطر الى اعلان تأييده له، ذلك ان اي رفض من قبله لهكذا مشروع سوف يفضح امره امام الرأي العام المسيحي.
والمفارقة أن تصريحات عون نفسه هي الدليل الأبرز على تخبّطه بين هذا القانون وذاك، وآخرها كان ما ادلى به في 12 آب الماضي "في اجتماعات بكركي لم اكن مع طرح ان تنتخب كل طائفة لنوابها، لكن الكتائب والقوات تطرقا الى طرح اللقاء الارثوذكسي الذي لم يحصل على وفاق اللبنانيين.."
في بكركي خلصت المباحثات المسيحية الى مشروعين: الأول نظام نسبي على أساس 15 دائرة بتقسيم واضح، والثاني نظام الدوائر الصغرى. في حين وافق وزراء التيار على مشروع القانون الذي قدّمته الحكومة، اعترض الفريق المسيحي في 14 آذار على القانون لأنه مغاير لما اتّفق عليه في بكركي، الا ان الجنرال أصرّ على انه ذاته.. إذاً شبّه الجنرال مشروع القانون المقدّم من الحكومة بمشروع بكركي، ثم قدم نائبان من تكتله اقتراح قانون يكاد يكون نسخة عن طرح اللقاء الارثوذكسي. فكيف سيقبل حلفاؤه إذا كانوا أصلا معترضين على الطرح الأخير؟ ويكون بذلك انتقل على حد قول المثل اللبناني "من تحت الدلفة لتحت المزراب".
هذه كانت المحاولة الألف ربما من التيار للمناورة على القوانين الإنتخابية تحديدا. فالجنرال عاد من الدوحة داعما لقانون الستين، حينها انتشرت لوحات اعلانية امتدت من جبيل الى بيروت، كتب عليها وبالخط العريض: "عون رجّع الشراكة للوطن"، "عون رجّع الحق الى أصحابه".
قال النائب ميشال عون حينها: "اننا أعدنا في الدوحة حقوقا للمسيحيين بأن يعبروا بأصواتهم الذاتية عن ممثليهم. فإذا أكملتم الرسالة التي بدأناها سنة 2005 وأوصلنا ممثلين من النهج السياسي الذي نمثله، فسيكون المسيحيون في قلب السلطة وسيعيدون اليها التوازن وتعود حقوقهم الباقية كاملة".. وبالتالي أثبت كلامه في العام 2008 نيّته المبيّتة اليوم للعودة الى قانون الستين.
وبعد 7 أيار وهجوم القمصان السود على بيروت، أفرز شعار "الدفاع عن سلاح المقاومة" قانون انتخابات جديداً سمّي بقانون الستين. وبدا عون مقتنعا أن هذا القانون يعطي مرشحي التيار وحلفاءهم ظروفاً أفضل من القانون السابق للفوز بمقاعد نيابية إضافية تخوّلهم للحصول مع باقي قوى الثامن من آذار على الأكثرية النيابية في المجلس وبالتالي يستطيعون التحكم من خلالها بتشكيل الحكومة المنبثقة عنه والإمساك بمفاصل السلطة السياسية وإبعاد خصومهم السياسيين في تحالف قوى 14 آذار عنها.
ولكن بعد إجراء الانتخابات النيابية في العام 2009، تبيّن عدم صحة الحسابات التي استند إليها تحالف الثامن من آذار بموافقتهم على قانون الستين لأن الأغلبية ذهبت لصالح خصومهم السياسيين، بدأت التحضيرات من جديد لوضع السيناريوهات المطلوبة للانقضاض على السلطة.. فكان إسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري في نهاية العام 2010. وفي أيار من العام الحالي كان عون لم يتّخذ بعد موقفا نهائيا من رفض قانون الستين، بعدما اعتبر، إثر عودته من الدوحة، انه "اعاد الحق الى اصحابه" (اي المسيحيين).. ها هو اليوم ينتقده.
في هذا الإطار قال النائب الآن عون بالأمس: "إننا بالتأكيد بسبب تضييع الوقت سنخوض الانتخابات على أساس قانون الستين".
في 13 آب الماضي أعلن رئيس التكتل: "لست خائفا من أي قانون وسأربح حتى في النظام الأكثري، لكنني أفضل أن أخسر عددا من النواب في النظام النسبي من أجل التمثيل الصحيح وتطوير الرقابة والقضاء على الطائفية".
في 1 نيسان 2009، وفي سياق متّصل قال رئيس المجلس النيابي نبيه بري: "لولا العماد عون غير الله ما كان خلاني وافق على قانون الستين".
في 27 تموز 2008 اعتبر الجنرال أن "الوقت كان كفيلا باظهار مدى انزعاج الفريق الآخر من قانون القضاء الذي سيجعل الاكثرية اقلية والاقلية اكثرية".