أوحى المستشار السياسي للجيش السوري الحرّ بسّام الدادا بأنّه يمتلك معلومات موثّقة عن عمليات قام بها النظام في لبنان. وقال إنّه مستعدٌّ لوضعها في التصرُّف، إذا كانت هناك ضمانة للشهود على غرار الضمانة المعطاة لميلاد كفوري.
شهادة المصدر المسؤول في المعارضة السوريّة تكتسب أهمّية بالغة في لبنان. فعلى غرار المعلومات المنتظرة من قادة الأمن السابقين في ليبيا عن مصير الإمام السيّد موسى الصدر، هناك مَن ينتظر أن يدلي قادة الأمن السوريّون المنشقّون، وحتى السياسيّون، كعبد الحليم خدّام وسواه – في مقدار ما يعرفون – بمعلومات عن عمليات قام بها النظام السوري على مدى عشرات السنين في لبنان، ومنها تلك المتعلقة بالمعتقلين السياسيين اللبنانيين في سوريا.
سبق للرئيس أمين الجميّل أن تحدّث في كانون الثاني الفائت عن معلومات مصدرها المعارضة السورية، مفادها أنّ المعارضة استولت على سجن في ريف دمشق، وحرَّرت منه سجناء سياسيّين سوريّين. وأفاد أحدهم بأنّه شاهد بطرس خوند في السجن قبل خروجه. وقد طلب قادة 14 آذار من المجلس الوطني السوري التثبّت من هذه المعلومة. ومنذ ذلك الحين، لم يظهر أيّ جديد.
ومع إطلاق يعقوب شمعون، الذي كان معتقلاً منذ 27 عاماً، تحرّك الملف مجدّداً. وأرسلت لجنة المعتقلين السياسيّين في السجون السورية واحداً من قدامى المعتقلين للقاء شمعون، والاطّلاع منه على معلومات يمكن أن تضيفها إلى الملف الموثّق الذي تمتلكه. وقد تعرّف إلى شمعون وثبت له أنّه كان في سجنَي المزّة وتدمر مع لبنانيين جرى إطلاقهم سابقاً.
ووفقاً لعمليات التقصّي، هناك 615 لبنانياً ما زالوا قيد الاعتقال في سوريا. وهؤلاء اعتقلتهم الأدوات العسكرية والأمنية السورية خلال هيمنتها على لبنان. وتُنكِر دمشق وجودهم في سجونها.
ويقول الوزير جان أوغاسابيان، الذي سبق له أن ناقش في دمشق مصير المعتقلين، إنّ رئيس الحكومة السورية آنذاك ناجي العطري أبلغ إليه أنّ في سوريا فقط 130 لبنانياً، وهم محكومون جنائيّاً. وهؤلاء أُخلي سبيلهم في ما بعد. ولكن، تبيَّن أنّ المساجين السياسيين في سوريا لا أرشيف لهم في السجون.
"تذويب" المعتقلين بالمخفيّين
المعنيون بملف المعتقلين السياسيين في سوريا ليسوا متفائلين. فالنظام يعتمد سياسة التعمية، وحلفاؤه اللبنانيّون في السلطة يسهّلون عليه الأمر.
وجاء اقتراح وزير العدل شكيب قرطباوي تشكيل "اللجنة الوطنية للمخفيّين قسراً" ليضرب إمكان التقدُّم. فـ"المخفيّون" في لبنان خلال الحرب يقارب عددهم الـ17 ألفاً، فيما يقدَّر المعتقلون السياسيون في سوريا بنحو 615. و"تذويب" قضية هؤلاء في ملف المخفيين يؤدّي إلى إنهائها تماماً. وتُميِّز الهيئات الحقوقية المعنية بين "المخفيّين" و"المعتقلين" من الناحية القانونية. فالمفقودون على الأراضي اللبنانية ينطبق عليهم الفصل الثاني من قانون العقوبات اللبناني (الجنايات والجنح). وأمّا المواطنون الذين تعتقلهم قوّات أجنبية وتقودهم إلى الاعتقال خارج بلدهم فتنطبق عليهم اتّفاقات جنيف الدولية في العام 1949 والملحقَيْن التابعَيْن لها في العام 1977.
لذلك، تستعدُّ 14 آذار لخوض معركة المعتقلين. وهي بدأت بالسؤال الذي وجّهه إلى الحكومة عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب إيلي كيروز: لماذا لا تُكلَّف "خلية الأزمة" الحكومية الخاصة بالمخطوفين الـ11، الانتقال إلى سوريا رسميّاً والاستماع إلى مسؤوليها، وإيجاد حلّ نهائي لقضية المعتقلين… وفي حال الفشل، التوجّه لعرض القضية على الأمين العام للأمم المتحدة والسعي إلى تأليف لجنة تحقيق دولية؟ وهو كان دعا إلى إلغاء اللجنة القضائية اللبنانية – السورية المشتركة، لأنّها فشلت في إنجاز مهمّتها. وفي سؤاله الذي حوَّله إلى استجواب، مطلع العام الجاري، دعا الحكومة إلى الإفادة من وجود المراقبين العرب في سوريا للتقدُّم بطلب يخوِّل هؤلاء الكشف عن السجون وتفقُّد مصير المعتقلين اللبنانيّين، ورفع القضية إلى الأمانة العامة للجامعة العربية والأمم المتحدة. لكن الحكومة لم تتجاوب، كما أهملت اقتراح قانون في العام 2008، لإعطاء المحرّرين من سجون سوريا تعويضات على غرار المحرّرين من السجون الإسرائيلية.
معتقلون أبناء عشائر و… أبناء جارية!
مصيبة المعتقلين في السجون السورية أنّهم ليسوا أبناء عشائر تديرها المجالس العسكرية، وأنّ المطالبين بهم أمّهات وشقيقات يعتصمن هادئاتٍ في حراسة الأمن أمام مبنى زجاجي لـ"الإسكوا" في بيروت الراقية، رافعين صُوَر أبنائهم الشهداء أو الأحياء، ليذيع الإعلام خبرهم في نهاية النشرة. ولو كانوا مسلّحين مُقَنَّعين يقيمون الحواجز الطيّارة ويشنّون حملات الخطف، رافعين البنادق والصواريخ، لأصبحوا نجوم الشاشة!
هؤلاء الـ615، لا تُستجاب النداءات لكشف مصيرهم منذ عشرات السنين، ولا يستأهلون لجنة متابعة كتلك التي زارت العواصم، عن حقّ، لإنقاذ 11 لبنانيّاً… علماً أنّ المعتقلين ليسوا معزَّزين مكرَّمين في ضيافة "أبو إبراهيم"، بل يتذوَّقون فنوناً من "الضيافة"… تُقرأ على وجوه الذين كُتِبَ لهم الخروج من الزنزانة.
نظريّاً، ستوحي الحكومة بالبحث عن أبنائها المعتقلين. ولكن عمليّاً، لا شيء يُرتجى من "سوريا القديمة". والمعلومات التي ستُحرِّك الملف فعلاً هي تلك التي تملكها القوى الأمنية والعسكرية والسياسية المنشقَّة عن النظام في سوريا. وكلام الدادا يثبت أنّ هناك الكثير ممّا يمكن القيام به، ومن الأسرار التي سيتمّ كشفها عاجلاً أم آجلاً في ملفّات لا تُحصى، وبينها الاغتيالات والمعتقلون، كما في ملف الوزير السابق ميشال سماحة.