ليبيا تستفز نقزة أولى من ربيع الإسلاميين
فهل تغير واشنطن مقاربتها للثورات العربية؟
بدت اطلالة لبنان على التظاهرات التي عمت بعض الدول العربية احتجاجا على الفيلم المسيء للنبي محمد محفوفة بالحذر الكبير عشية زيارة البابا بينيديكتوس السادس عشر فسارع الاقطاب الروحيون والسياسيون المسيحيون الى استنكار الاساءة الى الاديان التفافا على اي رد فعل يمكن ان ينسحب على لبنان علما ان زيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية تصب في جزء كبير منها في هذا الاتجاه اي احترام الاديان والعيش المشترك. كما بدت مصادفة غريبة في الوقت نفسه تعيين الامين العام للامم المتحدة الوزير السابق طارق متري، الناشط البارز في مسألة الحوار الاسلامي المسيحي وحوار الحضارات، مبعوثا خاصا له في ليبيا في هذا التوقيت اي "في يوم محزن وسيئ لليبيا" وفق ما جاء في رسالة الشكر التي وجهها متري الى الامين العام، علما ان هذا التعيين لا صلة له بالاحداث المأسوية التي ادت الى مقتل السفير الاميركي في ليبيا كريس ستيفنز. اذ انه كان تم بحث هذا التعيين في الاسابيع القليلة الماضية وتم استمزاج المسؤولين الليبيين الذين رحبوا بهذا التعيين قبل ان يعلن في جلسة مقررة سلفا في الامم المتحدة. ففي هذين العاملين يتوافر الوجهان المتناقضان للبنان: احدهما البلد الذي يقف على الحافة خشية انعكاسات اي تطور اقليمي يستدرج الوضع فيه الى مخاطر كبيرة خصوصا مع زيارة الرمز المسيحي الابرز للبنان علما ان هناك استبعادا لهذا الامر في ضوء ضوابط متمثلة بمواقف مختلف الافرقاء في حين ذكرت معلومات ان اتصالات جرت من اجل حصر الموضوع في اطاره الصحيح ومنع تفاقمه في لبنان. والوجه الاخر هو للبلد الذي يمكن الاستعانة بخيرة ابنائه وبتجربتهم من اجل المساعدة في رأب الصدع في بلدان يمكن ان يكونوا من بين الاقدر على المساعدة فيها على رغم حساسية الوضع اللبناني ودقته.
فلبنان عرف ردود فعل مماثلة نوعا ما قبل اعوام قليلة مع نشر رسوم كاريكاتورية في الدانمارك مسيئة للاسلام كما عرفتها دول عربية اخرى ايضا في الوقت نفسه مع فارق اساسي راهنا ان رد الفعل اخذ ابعادا مختلفة على فيلم يتوافق من شاهده من المسيحيين والمسلمين على انه فيلم سخيف وجاهل ومفتعل. وهذه الابعاد تمثلت في مقتل ديبلوماسي اميركي يقول من عرفه انه عروبي في الخارجية الاميركية واحب ليبيا وكان من ابرز مشجعي ابنائها والداعمين لهم في ثورتهم على النظام السابق وتاليا خسرته ليبيا بمقدار خسارة اميركا له وفق ما يقول هؤلاء. لكن المؤشرات وفق ما تأمل مصادر ديبلوماسية هي الا تتعدى الابعاد ذلك نظرا الى ان ليبيا لا تزال بلدا لم يركب بعد والسلطة فيه لا تزال هشة في غياب القوات الامنية المنتظمة والنظامية ووجود فئات مجتمعية كثيرة باتت تملك اسلحة قد تكون من غير القبائل التقليدية علما ان جزءا من ردود الفعل قد يكون مفتعلا ومبالغا فيه وفق ما سرى لاحقا في دول عربية اخرى ويمكن توظيفه من جهات عدة على رغم تفهم غضب المسلمين على الفيلم وحقهم في هذا الغضب. اذ ان امورا من هذا النوع اي اخراج او انتاج افلام مفتوح على حرية فردية كبيرة في الولايات المتحدة لا يمكن ضبطها بسهولة على رغم المحاذير التي يمكن ان تقود اليها. الا ان هذا الامر قد يكون صعبا تفهمه في دول اعتادت الرقابة المشددة وتفترض ان مثل هذه الامور يمكن لجمها او تقييدها اقله في اجراءات سريعة معلنة لضبط ردود الفعل خصوصا ان الادارة الاميركية بدت مصدومة ومتفاجئة وتأخرت في اعلان رفض ما ورد في الفيلم ونفي اي مسؤولية او صلة لها به.
لكن سرعان ما قفزت مجموعة اسئلة الى الواجهة طرحها في الدرجة الاولى رد فعل وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي استفظعت ما حصل للسفير الاميركي في ليبيا وموظفي السفارة نظرا الى ان واشنطن هي من ساعد في تحرير بنغازي بالذات من حكم معمر القذافي. فالمسألة قد يراها البعض تتصل بالشماتة من الولايات المتحدة التي كانت طوال فترة الربيع العربي مرتاحة لكون الثورات التي قامت لم ترفع الصوت ضد الولايات المتحدة او تحرق علما اميركيا، فاذا بلحظة غضب تفجر الامور ضد الولايات المتحدة في عدد من دول المنطقة وتكاد تطيح المكاسب التي حققتها واشنطن من مواكبتها هذه الثورات ورعاية البعض منها احيانا. الا ان البعض يثير تساؤلات حول ما اذا كان ذلك سيسبب نقزة اضافية من ربيع الاسلاميين ووصولهم الى السلطة في الدول العربية من بينها في شكل اساسي سوريا التي لا يزال يدور جدل وتجاذب حول مستقبلها بعد رحيل النظام الحالي في ظل المخاوف من وصول الاسلاميين من جهة وفي ظل الحذر من توفير مساعدات عسكرية للمعارضة ومساعدتها على مواجهة النظام. فالمقاربة الاميركية مهمة لما يحدث في المنطقة من ثورات وثمة تساؤلات عن احتمال حصول تبدل في الموقف الاميركي منها خصوصا متى دخلت سوق المزايدات الرئاسية في اميركا. كما ثمة تساؤلات ومخاوف عن احتمال خروج الوضع عن السيطرة في الدول التي شهدت ثورات على ما برز في الحركات الشعبية الاسلامية والتي وجدت السلطات صعوبة في ضبطها في تحد اساسي لاول مرة من هذا النوع.