كتبت الأم جوديت هارون في "النهار":
ان قلبنا يرقص، منذ الآن، طربا، في انتظار استقبال قداسة البابا بينيديكتوس السادس عشر على ارضنا، في الرابع عشر من ايلول 2012. هذه الارض التي وطأتها اقدام السيد المسيح منذ اكثر من الفي سنة، مجترحا عليها اولى عجائبه وآياته الالهية.
يجب الا يغيب عن بالنا ان لبنان، ارض مقدسة، وان شرقنا مهد للديانات السماوية. وهو، بخاصة، مهد المسيحية الاولى، ومنشأ كنائسها الاربع الأولى، من اصل امهات الكنائس الخمس: الكنيسة الانطاكية وكنيسة اورشليم وكنيسة الاسكندرية وكنيسة القسطنطينية، هذه الكنائس الغنية بتراثاتها الروحية والليتورجية والثقافة والقانونية، وبقافلة الشهداء والآباء والقديسين والقديسات.
وقد خص، قداسة الحبر الاعظم، بلادنا بزيارته ليطل، من خلالها، على شعوب شرقنا كافة. واننا نعتبر هذه اللفتة الابوية، مدعاة فخر وابتهاج لجميع اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين. وقد عبر غير أخ مسلم، وعدد من شيوخ الاسلام، اصدق تعبير، عن مدى ترحيبهم بزيارة قداسته لوطننا العزيز لبنان. وانهم يضعون هذا الحبر في مرتبة الصديق للمسلمين واللبنانيين كافة.
أجل، انه لقادم الينا ليطل من هنا، من شرفة لبنان، على سائر بلدان الشرق الاوسط. وانه قادم الينا، حاملا، في قلبه، هموم نزاعاتنا وانقساماتنا وحروبنا والتحديات التي تأتينا من داخل انفسنا، ومن قلب كنائسنا، ومن خارجها. وانه لقادم الينا حاملا، في يده، رسالة الشركة والشهادة، وفي عينه دعوة الى السلام والاخوة والمصالحة.
لزيارة قداسته التاريخية هذه، مدلولات كثيرة، نود ان نتوقف عند ثلاثة عناوين من بينها:
انه آت الينا لينعش في نفوسنا الرجاء، ويشدد عزائمنا الواهية، ويثبت اقدامنا على صخرة الايمان، وفي تربة الاجداد. وما احوجنا، اليوم، الى مثل هذا الرجاء، والى الرسوخ في ايمان بطرس، وقديسي ارضنا وشهدائنا.
لنصغ معا الى ما يقوله لنا آباء السينودس من اجل الشرق الاوسط عن هذا الموضوع البالغ الاهمية، في خاتمة خطوطه العريضة.
"ان الرجاء الذي ولد في الارض المقدسة، قد انعش الشعوب والاشخاص المعذبين في العالم كله خلال الفي سنة".
فوسط الصعوبات والتحديات، يظل هذا الرجاء نبعا للايمان، لا ينضب، وللمحبة والفرح، لتكوين شهود للمسيح القائم من بين الاموات، والحاضر دائما، وسط جماعة تلاميذه. يسندنا هذا الرجاء، في بلداننا، جميعا، مع كلمة الرب يسوع: "لا تخف ايها القطيع الصغير! فأبوكم السماوي شاء ان ينعم عليكم بالملكوت" (لوقا 32:12).
وبدوره، سيقول لنا قداسة البابا الزائر المنتظر بشوق: "سلامي اعطيكم، لا تضطرب قلوبكم ولا تجزع! آمنوا تأمنوا!".
ان قداسة البابا آت الينا ليوطد، ايضا، روح الشركة، الشركة في ما بين كنائسنا، اولا، وبينها وبين الكنيسة الام. والشركة، بخاصة، مع غير الكاثوليك في عمل مسكوني دؤوب، كما مع غير المسيحيين. ويجدر بنا، هنا، أن نتذكر ما أدلى به السيد محمد السماك، في اثناء اعمال سينودس الاساقفة من اجل الشرق الاوسط، في هذا المضمار: "انني، كمسلم، اقدر عاليا اهتمام الفاتيكان بقضايا المسيحيين عامة، واهتمامه خاصة، بقضية مسيحيي الشرق، مهد المسيحية ومنطلقها الاول. فمعاناتنا كشرقيين واحدة. اننا نعيش المعاناة معا نعيشها في تخلفنا الاجتماعي والسياسي، وفي تقهقرنا الاقتصادي والتنموي، وفي توترنا الديني والمذهبي". ويتابع قائلا: "فالحضور المسيحي، في الشرق، الفاعل في المسلمين، والمتفاعل مع المسلمين، هو ضرورة مسيحية بقدر ما هو ضرورة اسلامية، ثم انه ضرورة ليس للشرق وحده، انما للعالم كله… وانني اخاف على مستقبل مسلمين الشرق من هجرة مسيحيي الشرق".
ويضيف: "ان مسيحيي الشرق ليسوا اقلية طارئة، انهم في اساس وجود الشرق منذ ما قبل الاسلام".
ان هذا الكلام المعبر عن حقيقة تاريخنا وواقعنا، يدعو الى الاندهاش والتفكير في آن، وكأن قداسة البابا، في زيارته لبنان، يود ان يقول لنا، هو ايضا، مع القديس لاوون الكبير: "ايها المسيحيون الشرقيون، تنبهوا لعظمتكم!". ومع الطوباوي يوحنا بولس الثاني: "ايها اللبنانيون تنبهوا لكرامتكم وفرادتكم ورسالتكم المميزة".
عودوا الى الارشاد الرسولي: "رجاء جديد للبنان" الذي تكتمل مقاصده وتوجيهاته في صفحات نصوص السينودس من اجل الشرق الاوسط.
لا شك في ان زيارة قداسة البابا بينيديكتوس السادس عشر لوطننا الحبيب لبنان، في يوم الاحتفال بعيد ارتفاع الصليب المقدس، سترفع قلوبنا وعقولنا الى اعلى العلى، لتخرجنا من متاهات الحاضر المظلم، الى بهاء "نور الشرق الذي اضاء الكنيسة، جمعاء، منذ ان اشرق علينا الكوكب الذي من العلاء، يسوع المسيح ربنا الذي اليه يضرع جميع المسيحيين مخلصا للانسان ورجاء للعالم". (نور الشرق عدد 1)".
فأهلا وسهلا بالراعي والاب والحبر ورأس الكنيسة واللاهوتي الكبير الذي اغنى الفكر المسيحي بمؤلفاته الجمعة، والذي سيعيد الينا بهاء هويتنا المسيحية والوطنية، ويجعلنا نتمسك بقدسية كل بقعة من تراب ارضنا، وبعزة وطن الارز والرسالة والتسامح واللقاء في عيش مشترك بالشركة "والمحبة الشديدة (التي) من القلب".
فيا ملك السلام، اعطنا السلام.