كتب المونسنيور جورج يغيايان كنيسة الارمن الكاثوليك – مونتريال كندا في "النهار":
مبارك الآتي باسم الرب
(متى 21 – 9)
صاحب القداسة،
من مدينة المدائن من أورشليم المغتصبة، أحييك…
من فلسطين المنكوبة، المتناثرة الأوصال، أحييك…
من بلاد أور وبابل، من العراق الجريح، أحييك…
من سوريا الحبيبة الثائرة، المقاومة، أحييك…
من رماد الشرق المنازع ودماره وهو أرض الوحي والرسل والانبياء، أحييك…
من مهد المسيحية، المصلوبة اليوم وأبداً على خشبة الاضطهادات، والذبح، والقمع والتهجير، أحييك…
وأنا أرى شرقاً ينازع ويموت لافظاً أنفاسه الأخيرة، وأرى ديانات ومذاهب تتناحر، وحضارات تهدم وتندثر تحت رايتي الصهيونية العالمية البغيضة والقاتلة والسلفية الحاقدة المجرمة.
والسكوت يخيم على عواصم القرار، والمحافل الدولية والمنابر الأممية.
أين هي شرعة حقوق الانسان؟
أين هي مواثيق الأمم المتحدة وقراراتها؟
أين هو سوط يسوع الناصري، الذي به "قلب مناضد الصيارفة ومقاعد باعة الحمام" (متى 12 – 21)؟ أين هو صوت ذاك الناصري الإله، الذي نادى بالرحمة فوق الذبيحة" (متى 9 – 12) و"فضل الانسان على السبت" (مرقس 5 – 27) وجاهر بعبادة الله "بالروح والحق" (يو 4 – 27)؟
أين هو ذاك الإله الناصري، الذي أقضّ مضاجع الكتبة والفريسيين من أهل الدين والدنيا، ومن أبناء عصره، وطغاة كل العصور؟
ألم يسلم الامانة، أمانة الحق والعدل والسلام الى بطرس، وأنت خليفته؟
أني أعلم يا صاحب القداسة، أنك ستزور شرقنا قريباً، وتحل ضيفاً عزيزاً لا على أرضنا فحسب، بل على قلوبنا أجمعين، مسيحيين ومسلمين، نحن المنتظرين قدومك البهي، والمشتاقين الى سوطك المجدول بحبال الحق، والمتعطشين الى صوتك الجهوري للتنادي من لبنان، وطن الرسالة، لتنادي من دير بزمار الأرمني بالعدالة والسلام. ولتعلن من على قمة ذاك الجبل الكسرواني العنيد الصخري، ومن على هياكل ذاك الدير الأرمني الرمز، الشاهد بعنفوانه على مجزرة شعب، وعلى إبادة مليون ونصف مليون من ابنائه سنة 1915، لتعلن أن الاعتراف بحقوق الشعوب قاطبة بالعيش الكريم وبالحرية السرمدية والكرامة الانسانية غير المنقوصة هو المدخل الحقيقي الوحيد الى واحات السلام العالمي، وان على العدالة ان تسود الأمم، وان على الحق والحقيقة ان يصبحا لغة الدول والحكومات ورؤسائها.
زيارتك يا صاحب القداسة، لبنان، وطن التعايش المسيحي – الاسلامي، وبالأخص دير بزمار الارمني التاريخي ستحمل بين طياتها نداءات الى شعوب العالم، واصحاب الارادات الصالحة: لا للحرب، لا للعنف، لا للاجرام، ولا لصراع الديانات والثقافات والحضارات. بل نعم للحق، والعدالة والسلام، نعم للحوار، وللحوار فقط.
انها الوديعة الارمنية والشرق الأوسطية نضعها بين يديك المباركتين، ونسلمها لا الى الديبلوماسية الفاشلة، الساقطة، المرتهنة الى مصالح الدول واستراتيجياتها الجيوسياسية والاقتصادية، بل نسلمها الى صفاء الانجيل، وشموليته الكونية، وديناميكيته الفاعلة أبداً في القلوب، والضمائر والارادات.