#dfp #adsense

من القلق إلى الرجاء

حجم الخط

كتب الأب يوسف مونس في "السفير":

من وجهة نظر أنتروبولوجية، توضع هذه الزيارة في سياق انتظار «المخلّص» القادم لينقذ الشعب أو المدينة أو الإنسان من «الخطر الكبير» الهاجم كتنين، رؤيا يوحنا، لينهش ابن الإنسان أو الوحش الذي له عدة رؤوس ومن فمه يخرج دخان ونار.

من هنا «القلق» على المصير والرعب والخوف على الوجود من الخطر الهاجم على الوجود المسيحي المشرقي. هذا القلق على الوجود يدفع بالإنسان إلى الاستنجاد «بالمخلّص»، أَو إلى الهجرة والهرب من الخطر الهاجم أو الشر القادم المتمثل بحالات التكفير والأصوليات والسلفيات وكره الآخر المفترق، وشهوة قتله وفنائه لربح أَجر في السماء من «آخر» يعتقد ان السماء أعطته هذه الرسالة وليس قوات الشر والموت. هذا هو اليوم «وباء، مرض، طاعون، الشر، أو الهواء الأصفر، «السيدا» العاصف بعقول وقلوب الظلاميين الجدد الناصبين «المحرقات» و«الحد» على المقيمين في «دار الجهاد»، «الكفار المدنسين» الذين لا يجب موآكلتهم أو معايدتهم أو العيش معهم.

البابا القادم في مساء هذا الربيع العربي الكئيب هو «المخلّص والمنقذ للبقية الباقية» من إِنسانية الإنسان المؤسسة على الحب والغفران والحوار والعيش معاً، وعدم السماح للحالة «القاينية» أن تضربنا وتدفعنا لنهش الآخر بعملية «ذئبية»، كما يقول هويس «إن الإنسان ذئب للإنسان»، أو كما ردّد هيجل «ان الإنسان هو شهوة لقتل الآخر».

هدف الزيارة طمأنة المسيحيين على مستقبلهم في لبنان خصوصاً وفي الشرق عموماً، لأننا نعيش أمام «منطقة اضطراب» ديني وطائفي مذهبي يولد الخوف. من هنا هذا الاهتمام الهام والرعاية المميزة التي يحملها هذا «الحامل» في شخصه وموقعه قيم الروح والحرية والسلام والمحبة، لشعوب تخاف من بعضها بعضاً وتخاف من «الطاعون» المحيط بها في قلب فاجعة «الدم البريء» الذي هو وليمة يومية «للوحش» المخيف، حيث لا أمان ولا حماية إلاّ «كلمة الله» و«وعده» لهذه المجموعات الخائفة من بعضها البعض، لا تخافوا أَنا معكم إِلى نهاية الأَيام، هذه هي ثقافة الموت والرعب الذي يعيش فيها الشرق الأوسط وعليه «استنباط دوافع الرجاء» تجاه الكراهية للآخر وشهوة القتل والذبح تعصف بعقول وقلوب الناس لتدمر المستقبل الآتي كأنه لا قيامة من هذا الليل المهدد المصير والكيان. فكل إنسان هنا خائف على الحرية والكرامة والحب والأمان والسلام وهذا الخائف هو ذاته مخيف للآخر. كأننا عدنا عشائرية وليس «دولة مدنية» يعيش فيها الناس بحرية وسلام واحترام، فصار الخوف والقلق خبزنا اليومي وليس الحب والسلام.

ماذا سيقول البابا في زيارته

ما هي الانتظارات المحيطة بهذه الزيارة التاريخية التي تتعدى لبنان لتصل إِلى سوريا ومصر والأردن والعراق وفلسطين وتركيا وبلاد فارس؟

إنها تدعو إلى العودة إلى العمق «إذهبوا إلى العمق وألقوا الشبكة» أي إلى كلمة الله. فهذا الإرشاد الرسولي وموضوعه: «الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط: شركة وشهادة»، يعلن لنا ان كلمة الله هي أساس حياتنا المسيحية فعلينا أن نكون أمينين لهويتنا ونشارك في صليب المسيح، متعلقين ومتجذرين بأرضنا، لأن الأرض هي عنصر أساسي من هوية الأشخاص والشعوب، وهي ساحة حريتنا، فعلينا أن لا نبيعها بل أن نستثمرها ونبقى فيها بكرامتنا.

وندرك الأخطار المحيطة بنا من اضطهاد لحرية المعتقد والفكر والفن، إلى استعباد المرأة وإخضاعها لتكون جارية وموطئ لذة لذكورية الرجل وشهوانيته، لتبقى رقيقاً جديداً مبرراً من آيات لم تنزل من السماء بل من شبق الرجال، إلى عدم الاهتمام بصناعة المعرفة، وريادة المستقبل بجرأة خارجين من حتمية بعض الماضي الذي نقدسه ولا نعرف طعم الأزمنة الآتية. يجب قبل أن يأكلنا الرعب من الموت والدم والإرهاب قبل أن تنكسر جبال الرجاء ويعود التراب إلى الأرض حيث كان ويعود الروح إلى الله الذي وهبه. لا ننخدع فنتكئ على رؤوس الأفاعي المنتصبة في صحراء قلوبنا معتقدين انها عصاة لطريقنا.

ينطلق الإرشاد من المرسوم حول علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالديانات غير المسيحية، الذي أَصدره المجمع الفاتيكاني الثاني، ويدعو إِلى تعميق الحوار مع الإسلام واليهودية تقديراً للقيم الروحية والإنسانية والدينية والحرية والعدالة والسلام والأخوّة، ورفض أي عداء للسامية أَو اليهودية، بل علينا التمييز بين الدين والسياسة. وعلينا أن ندرك خاصة ان الحوار بين المسلمين والمسيحيين ليس هو خيار عابر بل إنه واقع حياتي وخاصة أساسية لمستقبلنا ومصيرنا والبناء سوية لمجتمع يعزّز مفهوم المواطنة وكرامة الشخص البشري، وللمساواة في الحقوق والواجبات والحرية الدينية التي تضمن حرية العبادة وحرية الضمير، في حوار حياتي يقدم للعالم صورة عن اللقاء الإيجابي والتعاون المثمر بين مؤمني هاتين الديانتين، ناظرين إِلى بعضهم البعض بتقدير ومحبة، رافضين كل أَحكام سلبية مسبقة، مكتشفين القيم الدينية عند بعضهم البعض ومناهضين أَنواع الأصولية والعنف باسم الدين.

هذه الزيارة وهذا الإرشاد صرخة حب وحق في صحراء شرقنا المدّمى الذي يدعوه وحش الموت بالنار والدخان إلى الموت، فعليه أن يصغي لنداء الحياة والجمال في ضياء وجه الله ومحبة الآخر.

المصدر:
السفير

خبر عاجل