#dfp #adsense

رجاء جديد للعالم العربي

حجم الخط

كتب طانيوس شهوان في "المستقبل":

يؤمّ قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر المؤمنين المسيحيين في العالم العربي، في عاصمة تعدديته الروحية والحضارية، لبنان، في مرحلة تاريخية حرجة يقف فيها العالم العربي على مفترق طرق يفضي به إمّا إلى تغيير إيجابي أو إلى تقهقر يوقعه في حالة ظلامية. وما يدّعيه لبنان لنفسه على هذا الصعيد لا مبالغة فيه ولا يندرج في سياق "شوفينية" (chauvinisme) وطنية، إبتدعها اللبنانيون ليتموضعوا من خلالها في مصاف أوليّ نسبة إلى غيرهم من شعوب المنطقة، بل هي نتيجة مسار تاريخي راكمت خلاله المجموعات الدينية المكونة لنسيج هذا الوطن، ومنذ نشوء الإسلام في القرن السادس الميلادي، خبرات التفاعل والحياة المشتركة والواحدة، والتي فيها ما فيها من نقاط القوة ونقاط الضعف على السواء. فإذا كان للمملكة العربية السعودية الحق في اعتبار نفسها العاصمة الروحية للعالم السني، وإذا كان لإيران الفارسية ولبعض من بلاد ما بين النهرين الحق في اعتبار نفسها عاصمة التشييع الاسلامي، وإذا كان للفاتيكان الحق في اعتبار نفسه العاصمة الروحية للكثلكة، فللبنان، وعن استحقاق مشروع، الحق في اعتبار نفسه عاصمة التعددية الروحية والدينية في العالم العربي والشرق أوسطي لا بل في العالم قاطبة، لكونه يختزن موروث التفاعل الاقدم بين المسيحية والإسلام.

الأسس القيمية لنشاط الكرسي الرسولي

لا تحمل زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر طابعاً سياسياً بالمعنى المعروف والشائع. فلا يهدف خليفة بطرس الى تركيز حضور المسيحيين على ضفة المتوسط الشرقية عبر قاعدة بحرية في هذه المدينة أو تلك، ولا مصالح اقتصادية لدولته في استثمار الغاز والنفط والتنقيب عنهما. ولا ينطلق قداسة البابا في تصميمه الثابت على زيارة لبنان، وعبره المنطقة بمجملها، من خلفية إعادة النظر في خريطة المنطقة السياسية، بل هو يفعل كل ذلك على خلفية نقل البشارة بالسلام الى هذه المنطقة المتعطشة الى السلام منذ عقود. في الواقع، تندرج الرسالة المعنوية والأخلاقية للكنيسة الكاثوليكية في سياق امانتها للإنجيل، وترتكز "سياسة" دولة الفاتيكان على مجموعة من الأسس المبدئية التي تعتمدها الكنيسة في مقاربتها لشؤون الناس ومجتمعاتهم. وتقوم هذه المبادئ على إدانة كل أشكال العنصرية ومناهضة الظلم ورفض العنف والإرهاب والدعوة الى السلام. فالكنيسة، التي تسعى الى خدمة الشخص البشري وتسهر على حقوقه، تعمل جاهدة، من خلال علاقاتها مع الدول، على التأكيد على البعد الأخلاقي والروحي للقانون الدولي. فتهدف الديبلوماسية الفاتيكانية إلى تحقيق السلام وحل النزاعات وخدمة المجتمعات الإنسانية بغض النظر عن انتماءاتها العرقية والاثنية والدينية والمذهبية. فتعطي أوّلية للشخص البشري ولكرامته، وتشجع ذوي الارادات الصالحة على احترام حقوقه وضمانتها لأنها تعتبر أن احترام حقوق الإنسان هو شرط مؤسس لكل ديمقراطية.

وترتكز سياسة الكنيسة كذلك على حماية الحرية الدينية وتعتبرها حقاً مقدساً وحجر الزاوية في منظومة حقوق الإنسان، فتؤكد في هذا السياق أن الحرية والحقيقة في حال تلازم، وأن الكرامة البشرية هي البعد الأساسي الذي تقوم عليه كل حرية دينية. وتخلص في ذلك الى القول أن حرية التدين وحرية الضمير هما الشرطان الأساسيان لقيام دولة الحق.

وتقول الكنيسة كذلك أن السياسة التي تقوم على حقوق الإنسان تقتضي أن يعطى الإنسان حقه في التنمية. فالتنمية، وبطابعها المستدام تنبثق عن طبيعة الإنسان، وهي حق له وواجب عليه تجاه الآخرين. وتعلن في هذا السياق أن اختلال التوازن الاجتماعي بين الشمال والجنوب، واستئثار شعوب بثروات طائلة على حساب شعوب تعيش في الفقر، هو جرح على جبين الإنسانية. فتدعو الكنيسة إلى التضامن بين كل المكونات الانسانية والاجتماعية، وتعتبره واجباً أخلاقياً ومسيحياً يقوم على مفهوم وحدة العائلة البشرية. وتسعى في هذا الاطار الى إنعاش الحوار بين الشمال والجنوب، وإلى "عولمة التضامن" الإنساني في المجالات المتصلة بالفقر والتنمية.

وتبشر الكنيسة بالسلام، وتؤكد أنه قضية روحية وانسانية على السواء وأنه يقوم على الحقيقة والعدالة والمحبة والحرية. أما شروطه بالنسبة للمسيحيين فتقوم على ارتداد القلب والتوبة، والاستعداد للحوار، واحترام الشخص البشري وحقوقه، التسلح ومناهضة التسلح بكل أشكاله، والتنمية والعدالة في اطار الأخوة. إن المبادئ المعلنة للكنيسة الكاثوليكية ستكون في أساس رسالة البابا بنديكتوس السادس عشر إلى لبنان والعالم العربي.

الهواجس المشروعة وفتح النقاش

يعبّر المسيحيون العرب وبطرق مختلفة عن هواجس تتصل بالتحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها العالم العربي منذ انتحار محمد بو العزيزي في تونس وإطلاقه الشرارة الأولى لما سمّي بثورة الياسمين في تونس، وما استتبع ذلك من حراك شعبي أدى إلى سقوط نظام زين العابدين في تونس، وخلع معمر القذافي في ليبيا، وتنحي حسني مبارك في مصر قسراً ، والتخلي الملتبس لعلي عبدالله صالح عن السلطة في اليمن، واندلاع الثورة السورية وما قد ينتج عنها. وقد تلمّس المسيحيون العرب، منذ سقوط بغداد في العام 2003، ومعهم شركاؤهم في الارض وفي المصير، ملامح سقوط النظام العربي، الذي قام منذ خمسينات القرن الماضي، وقيام نظام عربي جديد ملتبس الملامح والمقوّمات. وتراكمت مجموعة من المؤشرات نتج بعضها عن سقوط النظام الصدّامي في العراق في شرق دنيا العرب، وبعضها الآخر عن اعلان استقلال جنوب السودان عن شماله في جنوبها، وعن اندفاع الحركات الشعبية من المحيط الى الخليج في سياق الربيع العربي منذ نهاية العام 2010؛ مؤشرات تدلّل، بعد مرور ما يقارب المئة عام على اتفاقية سايكس بيكو، الى أن إعادة النظر في طبيعة الخريطة السياسية في المنطقة العربية وارد وممكن، على اعتبار أنّ هذه الخريطة قد أدّت وظيفتها السياسية، ولم تعد صالحة لمقتضيات التوازنات السياسية، الاقليمية والدولية على السواء. لقد أفرزت هذه الاستنتاجات والتوقعات حالة هلع وارباك في المجتمعات العربية، وولّدت هواجس مشروعة للمكونات الاجتماعية والدينية فيها، وبخاصة عند المسيحيين منهم، استناداً إلى جملة من الأسباب بعضها واقعي وبعضها الاخر فرضيّ. فإذا كان تعبير المسيحيين عن الهواجس المشروعة في سياق التحولات جرّاء الحراك الشعبي في البلدان العربية هو أمر محق، فإن مقاربة هذه الهواجس وإحاطتها بواقعية وموضوعية هو واجب في سياق الاستعداد لأستقبال راعي الكنيسة الكاثوليكية وحبرها الاعظم. فتعبير المسيحيين بطريقة مباشرة عن هواجسهم المشروعة هو تعبير عن هواجس كل العرب، أقلية كانوا أم أكثرية على السواء. وإذا كانوا قد بادروا الى ذلك علانية، فإنّ ذلك يحسب لهم ولا يحسب عليهم، لأنهم أسهموا في فتح النقاش مباشرة لا مواربة في شأن مستقبل العالم العربي وترقيه. فأية أقلية دينية أو طائفية أو مذهبية، يهودية أم علوية أم اسماعيلية أم كردية أم شيعية، لا تشاطر المسيحيين هذا أو ذاك من الهواجس؟ لكنّ الفرق بين المسيحيين وغيرهم من الاقليات، أنهم ما تربّوا على "مذهب التقية" فما أضمروا يوماً عكس ما فعلوا وقالوا، ولا قالوا ولا فعلوا يوماً عكس ما أضمروا. وما يساق على هواجس من هم أقلية مزعومة يساق كذلك على من هم أكثرية مفترضة.

الربيع العربي

ينقسم المسيحيون في لبنان وفي العالم العربي في شأن الربيع العربي الذي هزّ بلدان المنطقة، منذ آواخر العام 2010، ولا يزال. فبعضهم ينتصر لل"ثائرين" على الانظمة السياسية، التي تحكمت برقاب الشعوب العربية من الخليج الى المحيط، على خلفية مطالبتهم بالحرية وحقوق الانسان؛ وبعضهم الآخر ينتصر للأنظمة القائمة على خلفية توجسه من اسلام سياسي متطرف، تشير مجريات الامور الى وصوله باشكال مختلفة الى الحكم، وما قد يستتبع ذلك من تهديد مفترض لـ"الضمانات" التي يدّعي مناصرو هذا الرأي حصول المسيحيين عليها من قبل تلك الانظمة. وهواجس هذا الفريق أو ذاك هي هواجس آخرين ممن يماثلون المسيحيين في حالهم.

غير أن الهواجس المشروعة للأقليات المزعومة تتقاطع مع هواجس الاكثرية المفترضة. فالهواجس التي تستدعي المجال السني كثيرة، بعضها مشترك مع هواجس الأقليات المزعومة وبعضها الآخر متصل بمسؤولية السنة في توجيه الحراك الشعبي في سياق ربيع العرب وترشيده. فهل "خطر السلفيين" مثلاً، إن صحّ القول، موجه ضد الأقليات وحدهم، أم أنه يقضّ مضاجع السنة أنفسهم، ويجعلهم كذلك في حال قلق على المصير؟ ألا يترقّب قسم كبير من السنة ما ستؤول اليه الأحوال بعد وصول التشكيلات السياسية الإسلامية في تونس ومصر إلى سدة الحكم وتسلم مقاليدها فيها؟ وهل يتفق كل السنة على منهاج سياسي اجتماعي واحد، يجنّدون طاقاتهم كلها لتحقيقه في أرض الواقع، ويجعل منهم أكثرية "غالبة" لأقليات "مغلوبة" بالمعنى السياسي؟ أم أنهم، شأنهم شأن كل مجموعة دينية، منقسمون بين متشددين ومعتدلين، بين يمين ويسار، بين هذا وبين ذاك؟ وهل كل السنة سلفيون؟ وماذا عن صراع القاعدة والسلفيين؟ وهل يتماثل كل السنة مع هذين الاتجاهين الاساسيين فقط، أم أنهم يتميزون عنهم وهم متنوعون كذلك على هذا الصعيد؟ وهل يقبل عموم أهل السنة باستبدال أنظمة قمعية بوليسية واستبدادية، تحكّمت في العالم العربي على مدى ستة عقود ونيف، تحت شعار الانتصار للقضية الفلسطينية ومحاربة الارهاب، بأنظمة استبدادية ظلامية كتلك التي تروّج لها القاعدة وغيرها وفق النموذج الطالباني في افغانستان؟ وهل تحقق أنظمة كهذه إنخراطاً طبيعياً للعرب وبلدانهم في الحداثة وما بعدها، ومصالحة لتلك المجتعات مع مقتضياتها؟ وهل تحقق هذه الانظمة التي لا يزال غالبيتها فرضياً، الطموح العربي في الترقّي والتنمية الاجتماعية والاقتصادية الثقافية والسياسية المنشودة؟

مما لا ريب فيه أن الاسلام، والسنة على وجه الخصوص، يتلمّسون ملامح التغيير الآتي إلى بلدانهم، ويبحثون في كيفية تجسيد دورهم فيه، شأنهم شأن كل المجموعات الدينية في منطقة الشرق الأوسط. ومما لا شك فيه كذلك أن ثمة حراكاً سياسياً داخل الإسلام السني، وهو دليل صحة وعافية، ويتأكد في سياق قواعد اللعبة الديمقراطية. ولو لم يكن ذلك صحيحاً لما كان حزب النهضة، الواجهة السياسية للأخوان المسلمين في تونس، توصّل إلى السلطة نتيجة كسبه الإنتخابات النيابية بنسبة 41.47% فقط؛ ولو لم يكن ذلك صحيحاً، لما تعادل تحالف القوى الوطنية الليبية مع الاسلاميين في ليبيا، ووعد في حال وصوله الى الحكم بقيام دولة ديمقراطية مدنية؛ ولو لم يكن ذلك صحيحاً، لما كان محمد مرسي رئيساً لمصر بنسبة 52% فقط، مقابل 48% لأحمد شفيق. الشواهد على الحراك السياسي في المجال السني بيّنة، وهي "علامات رجاء" تؤكد أن التباين والتنوع قائمان بين السنة أنفسهم، وهم يبحثون عن أجوبة لتلك التساؤلات والتي قد تتقاطع مع تساؤلات غيرهم من الناس في هذه المنطقة.

إذا كان التباين قائماً في الشارع السني فهذا يعني أن المشهد السياسي في بلدان العالم العربي لن يكون واحداً من دون أدنى شك. وهذا يعني أيضاً أن التحدي الكبير الذي تواجهه المجتمعات العربية، والسنة على وجه التحديد، هو العبور من الإنتماء الديني (الطائفي والمذهبي) إلى الإنتماء الوطني المجتمعي، وما يترتب عليه من التزامات سياسية في إطار المواطنة في دولة مدنية. ومسؤولية المسلمين السنة في هذا السياق تفوق مسؤولية الآخرين على اعتبار أنهم أكثرية بالمعنى الديموغرافي لا السياسي، أي بمعنى قدرتهم على الفعل في التحوّل الديمقراطي وترشيده. لقد كان لنداءات الأزهر الشريف، التي أتت في سياق التحولات في العالم العربي، وقع محمود في ألاوساط الدينية في الشرق الأوسط، وبخاصة النداء الشهير الذي رسم خريطة طريق اسلامية متنورة لمواكبة الربيع العربي المنشود. إن هذه الوقائع وغيرها ستدفع إلى نشوء تجمعات سياسية اجتماعية غير دينية تتواجه فيها الأفكار لا العقائد الدينية، وتنتج أنواعاً جديدة من العلاقات بين ابناء البلدان العربية، لا تخضع فقط للدائرة الدينية بل تعتبرها إحدى الدوائر المؤثرة فيها ولكن لا على حساب دوائر أخرى. تجمعات تضم سنّة ومسيحيين وشيعة وعلويين ويهوداً وأكراداً تقدم مضموناً جديداً للعمارة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية في العالم العربي. ليس سهلاً بلوغ التفاعل الاجتماعي في بلدان العالم العربي هكذا مبلغ، غير أن الأوضاع المستجدة ستدفع بمكونات النسيج الاجتماعي في هذه البلدان إلى اعادة النظر في سلوكياتها السياسية واعادة انتاجها بطريقة تراعي فيها المصلحة والعقيدة على السواء. في نهاية القرن التاسع عشر استدعى المسيحيون العرب الى النهضة، وما اعتبروا أنفسهم أقلية في تلك الفترة، فتصرفوا على اعتبارهم أصحاب القضية وأولياء الامر، فنسجوا مع مكونات المنطقة العربية، وبخاصة مع السنة العرب، أحلافاً لمناهضة السنة الاتراك. لم يتردد السنة في تلك الفترة في التحالف مع المسيحيين العرب على خلفية مناصرة السنة الاتراك، وهو يسجل لهم. والمسيحيون كذلك، لم يتاونوا عن الدعوة المبكرة للتحرر من النير التركي، على الرغم من انهم كانوا يتمتعون بامتيازات المتصرفية، التي لم يتمتع بها غيرهم في الامبراطورية المريضة. فأذا كان ذلك ممكناً في القرن الماضي، فلماذا لا يكون ذلك ممكناً في القرن ال21؟

إن الكنيسة لا تنأى بالنفس عن مناهضة ظلم الأنظمة الاستبدادية، التي كانت قائمة منذ العقد الخامس من القرن الماضي، وسقطت بفعل الحراك السياسي منذ العام 2010، أو تلك التي هي في طور السقوط. فالكرسي الرسولي ينطلق في مواقفه من أطر قيمية معروفة يعطيها الأوّلية في اتخاذ المواقف السوية من هذه الإشكالية أو تلك. وإذا كان من واجب الكنيسة الأخلاقي مناهضة الظلم والأنظمة الاستبدادية، فمن واجبها الأخلاقي كذلك رفض كل أنواع العنف الذي تلجأ بعض المجموعات الملتحقة بالثورات العربية، بحجة رفع ظلم الأنظمة القمعية عنها، أو تلك التي تلجأ اليها تلك الأنظمة بحجة محاربة الإرهاب. فالكنيسة تتضامن مع الشعوب وانتفاضاتها المحقة والمشروعة، والمرتكزة على مبادئ الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، ولكنها ترفض في المقابل كل لجوء إلى العنف، خارج اطار الدفاع المشروع عن النفس، لتحقيقها. وهي ترى بالتالي أن الحوار هو الوسيلة الفضلى لتحقيق تطلعات الشعوب واحترام حقوقها المشروعة في تغيير الأنظمة بالوسائل الديمقراطية المشروعة. ويمثل النموذج البولوني في أواخر ثمانينات القرن الماضي، نوع الحراك الشعبي الذي تؤيده الكنيسة، والذي كان رأس الحربة في انهيار المنظومة الشيوعية وسقوط جدار برلين في العام 1989. إن الاستثمار في العنف مرفوض في المطلق ويدلل تاريخ الثورات الحمراء أن الدماء تجعل من كل ثورة آكلة لأبنائها.

إشكالية تجديد القيم وخطر سوء ممارسة الحرية

ولعلّ أخطر ما قد يتهدد العالم العربي في مرحلة ما بعد الانظمة الحديدية، هو إعادة تشكّل القيم و"سوء ممارسة الحرية"، على الرغم من أن التوق إلى ممارستها مقدس ومطلوب. وما يتهدد العالم العربي على هذا الصعيد، عاشته مجتمعات خضعت للاحتلال والوصاية وعانت من الأنظمة الشمولية. ويقول قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في كتابه "ذاكرة وهوية": "إذا كانت المجتمعات قد أحسّت بأنها حرة، بعد سقوط الأنظمة الشمولية (في أوروبا الوسطى والشرقية بعد أحداث 1989)، فإنه قد ظهرت، وبالتزامن مع ذلك، معضلة في العمق، الا وهي معضلة استعمال الحرية. انها معضلة لا تقوم على أبعاد شخصية فحسب بل جماعية كذلك". وهذا يحتم علينا أن نخضع التنشئة الشاملة التي تتشارك فيها المؤسسات العربية للمساءلة والتدقيق. فتجديد القيم والالتزام بها لا يمكن له أن يتمّ إلاّ بترشيد الأفراد والجماعات على أنواعها على حسن استعمال الحرية، والحرية لن نحسن استعمالها إلا متى اعتمدنا تنشئة شاملة تأخذ في عين الاعتبار الإنسان بكليته وتعدّه على التمييز واتخاذ المواقف بتفاعله مع ما يعرفه وما يعيشه، على ضوء إيمان راشد وناضج، وفي زمان ومكان معيّنين.

الصراع العربي ـ الاسرائيلي

ويحتل الصراع العربي ـ الاسرائيلي موقعاً محورياً في ما قد يقوله البابا بنديكتوس السادس عشر للعالم العربي في سياق زيارته لبنان. لقد كان المسيحيون طلاّعاً بين العرب في تنبيههم الى خطر الصهيونية ونشوء دولة اسرائيل ابان الحرب العالمية الاولى، وكان لهم اسهاماتهم في الدفاع عن القضية الفلسطينية يوم كانت توّحد كل العرب. ولا يمكن مقاربة أشكالية السلام في العالم العربي، من دون التوقف أمام قضية الشعب الفلسطيني المتألم الذي أريد له أن يهجر من أرضه منذ ستين عاماً ونيف، والذي تشكل قضيته المحقة المحور الرئيسي في النزاع العربي الاسرائيلي. إن السلام الحقيقي لن يتحقق ما لم يجد النزاع العربي الإسرائيلي طريقه الى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، يوفر حق العودة للفلسطينيين الذين يعيشون خبرة الشتات الصعبة، ويضمن الأمن لكل الجماعات الدينية والاثنية التي تعيش في بلدان هذه المنطقة، ويؤكد على حقوقها المشروعة ويسهم في ضمان استفادة كل أبنائها من ثرواتها الطبيعية على أنواعها. وهو ما تؤكد عليه الكنيسة الكاثوليكية على خلفية العدالة من جهة، وعلى خلفية ادانة العنصرية بكل أشكالها من جهة أخرى.

ولا بد لكل عاقل يريد مقاربة حل النزاع العربي-الإسرائيلي على قاعدة تطبيق القرارات الأممية إلا أن يحاول التبصّر في الحال التي ستؤول إليها أوضاع العالم العربي بعد قيام الدولة الفلسطينية، واعتماد خيار الدولتين في حل هذا النزاع. فإذا حلت القضية الفلسطينية وفقاً لرغبات الشعوب العربية، هل حسم العرب رأيهم في شأن العلاقة مع إسرائيل؟ إن طرح هذه الإشكالية في السياق المتصل بزيارة بنديكتوس السادس عشر إلى العالم العربي يجد مشروعيته انطلاقاً من الشراكة القائمة بين اليهودية والمسيحية والاسلام في شأن القضية الفلسطينية ووضع مدينة القدس. من هنا تأتي ضرورة مقاربة واقع العلاقات العربية والتصدي لها بشجاعة وموضوعية. ففي ستينات وسبعينيات القرن الماضي، كانت الشعارات المحببة للجماهير العربية تتصل بإزالة دولة اسرائيل. أما اليوم فلم يعد المشهد السياسي في العالم العربي كما هو، إذ ينقسم العرب بين من ينادي بالتطبيع مع اسرائيل ومن يمانعه ويندفع باتجاه خيارات جذرية تصل إلى حدود رفع شعار إزالة اسرائيل عن الخريطة.

إنّ قضية السلام التي يطرحها قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر عنواناً لزيارته الى هذه المنطقة تستدعي التساؤل في شأن مسار العملية السلمية التي لن تصل الى خواتيمها السعيدة، ما لم يحسن العرب خياراتهم المتصلة في العلاقة مع دولة اسرائيل. فالسلام في طبيعته معطى ايجابي ولا يمكن أن يقوم على مبدأ القطيعة السلبية ووقف النزاع المسلح فقط، بل له شروط قيمية وموضوعية تجعل منه حالة ايجابية تنسج في اطارها العلاقات الثنائية على قواعد التعاون البناء. ولنا في المسألة الفرنسية الالمانية في القرن العشرين مثال يحتذى، فبعد عقود من الصراع الدامي الذي أدى الى حربين عالميتين وملايين الشهداء، تجرأ الألمان والفرنسيون على المصالحة وبناء سلام دائم، وثابت جعل من هذين البلدين، بعد خمسة عقود على المصالحة المكونين الأساسيين لأوروبا الحديثة. فهل يمكن للعرب أن يتصوروا أن مصالحة تقوم على التأكيد على الحقوق المشروعة للشعب الفلسيطني يجب أن تؤدي الى مصالحة حقيقية بينهم وبين اسرائيل، تفضي الى التأسيس لشرق أوسط مزدهر يعيش في سلام ثابت ودائم ويعزز علاقات شعوب هذه المنطقة بعضها مع بعض ويوفر لأبنائها الرخاء والترقي؟

"ما لكم خائفين يا قليلي الايمان"؟

يستعد المسيحيون لزيارة خليفة بطرس الى لبنان والشرق الاوسط، والرياح العاصفة العاتية تضرب السفينة الكنيسة في هذه المنطقة وتمتحن إيمان المسيحيين. وتأتي هذه الزيارة البابوية الحدث لتذكّرنا بما قاله المسيح لتلاميذه حين أدركتهم العاصفة وهم في عمق البحر وهو معهم، قال: "ما لكم خائفين يا قليلي الايمان". إن دعوة المسيح لنا إلى عدم الخوف هي آنية ذلك أن "المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد". وما قاله لنا منذ ألفي سنة وما يزيد يبقى آنيّاً هو هو، إذ أن الشر والخير تعايشا منذ بداية التاريخ على ما قاله قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في كتابه "ذاكرة وهوية" إذ اعتبر أن النظرة إلى العالم من وجهة نظر الشر والإثم فقط هي مقاربة أحادية الجانب، رفضها المسيح وعبّر عن ذلك في المثل الذي ضربه في انجيل متى 13 :24-30، حين تحدث عن الزرع الجيّد والزؤان. "إن هذا المثل، وكما يقول يوحنا بولس الثاني، هو مفتاح حقيقي لفهم التاريخ والحاضر والمستقبل. ففي مختلف الحقب وبطرق مختلفة، تنمو الحنطة إلى جانب الزؤان والزؤان إلى جانب الحنطة. وما التاريخ البشري إلا المسرح الذي يتواجد عليه الخير والشر. والطبيعة البشرية لم تتحطم ولم تصبح فاسدة في المطلق، بل حافظت وعلى الرغم من الخطيئة على قدرتها لعمل الخير وهذا ما يؤكده التاريخ".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل