#dfp #adsense

البابا و… بربريّة المكان

حجم الخط

كتب نبيه برجي في "الديار":

حقا انه يحمل الانجيل في يده. الوجه كما لو انه الدهر. حين يكون البابا المانياً لا بد ان يثير الجدل. كيف لـبنديكتوس السادس عشر ان يغتسل من ظل هيغل او ماركس او نيتشه، او حتى من ظل بيسمارك وهتلر واديناور. ماذا عن غوته وفاغنر وبيتهوفن؟..

قال لنا استاذ في جامعة مونستر حيث درّس البابا، وكنت في زيارة لابني هناك « في رأسه كل ذلك الدوي، لكن دوي الله غطى على كل شيء. لم اجد رجل دين مثله قطع، بأقل من رفة جفن، كل تلك المسافة بين الكائن البشري والله».

عندما يحط جوزف راتزنغر رحاله في هذا الشرق، هل سيفاجأ حين يلاحظ ان الله غادر، لسبب او لآخر، المكان؟ لا، لا. انه يدرك جيدا كيف تحولت العيون الى خناجر، وكيف ارغموا الآيات البينّات ان تتقيأ الدم، وكيف اصبح العقل صحراء. لا مكان هناك الا للرمال ولقوافل الصبّار الكئيبة. ولعله قرأ ما كتبه محمد اركون عن اولئك الذين قلبوا المعجزة رأسا على عقب: ان يكون الانسان على صورة الله لا ان يكون الله على صورة الانسان…

الآتي من روما الى لبنان، ودون ان نتوقف عند بلهوانية او حتى تفاهة احد الدعاة الذي غالبا ما يتكلم بلغة الذباب، لا بد انه اطلع على كنابات مفكرين مسلمين لم يسقطوا في ثقافة الكهوف ولا في ثقافة السواطير، وتحدثوا فيها عن ازمة الله في الشرق. الله الذي ظهر هنا اذا كنا نتحدث تاريخيا، وحتى فلسفيا، عنه. لا ريب ان لدى الزائر الكبير رؤيته اللاهوتية للمشهد. وبالرغم من ذلك نسأل الحبر الاعظم: الم يكن من الاولى ان توقع مرثية لهذا الشرق لا بدموع ارميا وانما بدموعك انت، بدلا ان توقع الارشاد الرسولي الذي لن تجد كلماته مكانا في اي مكان؟..

ولا ندري يا قداسة البابا ماذا سكننا. لا، لا، الشيطان ينظر الينا مذعورا. لم يكن يتصور اننا نفعل كل هذا. القتل باسم الله، الذبح باسم الله. الكراهية باسم الله. الفتنة باسم الله، اذاً، هل حقا انك ستكون حزينا، وكما هي حال السيد عندما خانه من خانه، لان الله لن يكون في استقبالك…

لا ندري يا صاحب القداسة ما اذا كنت قد قرأت ما كتبه جمال حمدان حول عبقرية المكان. نتوقع ان يكون احدهم قد حدثك عن بربرية المكان. اجل، وبصوت عال، بربرية المكان. كل تلك الكلمات الطيبة، كما الشجرة الطيبة في القرآن، تذروها الرياح العاتية، بل تذروها الارواح العاتية…

هل تذكر ما قاله ادوار سعيد لسلفك يوحنا بولس الثاني «ان مكانك يا سيدي في القدس لا في روما» لان الارض هنا تتعذب، ولان ثمة من تولى، وبعصا يوشع بن نون، اجتثاث وقع قدمي المسيح. قدمان حافيتان وازالتا بالصوت، لا بالسوط، كل ما فعلته الخطيئة الاولى. هل الخطيئة الاولى يا سيدي تلك التي اقترفها آدم، ووصفها فلاسفة المان بـ«الخطيئة الخلاقة»، ام هي تلك التي اقترفها قايين الذي ما برح حجره يتنقل عبر الازمنة حتى استقر في وعينا وفي لا وعينا؟.

ولعلك سوف تسأل، بمنأى عن تلك الفانتازيا اللبنانية، فانتازيا اللحظة لا اكثر ولا اقل، ما اذا كان هؤلاء الذين يهزجون لك، ويدلون بتصريحاتهم عبر الشاشات، هم ابناء هابيل ام ابناء قايين. قبل ان نختلف او نتصارع حول اسحق واسماعيل، ثمة بداية يختزلها قايين وهابيل، فهل يكفي الارشاد الرسولي لكي نطرد قايين من اظافرنا؟

اذاً، نستقبلك بفرح، وبيأس. وكنا نتمنى لو نستقبلك بالدهشة التي غادرتنا في اللحظة التي غادرنا فيها الله، لكننا نسأل، وانت الآتي من الغرب الذي حلت فيه مداخن المصانع محل اجراس الكنائس، وحلت فيه صهيل آتيلا محل صرخة بولس، أليس هو الغرب الذي صنع فينا كل هذا، فهل رفعت الصليب في وجوه القتلة، قتلة الشرق، قبل ان تتلمس به وجوه القتلى، قتلى الشرق، انه الشرق القتيل ايها الحبر الاعظم…

بين الذين يهزجون على انها الزيارة للزيارة، لا بد ان ترى في عينين، عينين مبتهجتين، ان الله لا يزال في المكان رغم… بربرية المكان!

المصدر:
الديار

خبر عاجل