عندما كنت أستمع إلى المؤتمر الصحافي الذي عقده لواء الوصايتين، جميل السيد، كان من الصعب عليّ متابعة كلامه. اشبه بهذيان طويل بلا بداية، ولا نهاية. وأظن أنه اما قرّر ألا يقول شيئاً مفيداً، أو انه قال كل ما تبقى لديه، بعد تاريخ حافل بالإخلاص لسيادة لبنان، واستقلاله وحريته وديموقراطيته وعدم استغلاله وظيفته! حطام رجلَ طَغتْ ملابسُه عليه وطغى صوته على كلماته. وغلب الخوف حواسه. وأفقده الضياع توازنه. تابعته وكأنني لم اتابعه. لأنه لم يتابع نفسه. هنا خارج الموضوع. وهناك خارج الضرورة.. وهنالك تضعضع بين المفارقات والتناقضات. وكأنه بدا رجلاً من غبار قديم. كثيف. حمل في عينيه. تاريخاً ملتبساً. رجلاً من غبار. كلامه غبار. وأنفاسه غبار. وعيناه غبار. لم يقل شيئاً. لا شيء. أزبد غضباً. فبدأ كَزَبد زائل. أرعَد فبدا بلا بُروق. وكاد يمطر لكن السماء فوقه كانت من معدن. كان يريد تغطية أمور. لا كشفها. هاجم ريفي والحسن لأنهما "أوحيا" انه كان برفقة رفيقه ميشال في السؤدد وفي الكرامة، والنبل والانسانية، ثم اعترف بأنه كان معه. في تلك السيارة الصغيرة (التي مُوهّت بهما: وهما باتا أداتي تمويه! حاملة الخيرات المتفجرة والبركات الدموية والفتن إلى لبنان! انكر انه كان مع "بطل العروبة الممانعة" ورمز المقاومة.. سماحة لكنه، مع هذا طالب بمحاكمة ريفي والحسن.. ووزع "زلاعيمه" الساخطة على رئيس الجمهورية والحكومة، (وقبلها بُعيد اعتقال سماحة هاجم حزب الله واتهمه بالجبن والتخاذل لأنه لم يساند هذا الأخير!) وصولاً إلى لهجة تهديد ووعيد. اعترف برفقة سماحة وهاجم المسؤولين الأمنيين على كشفهما ذلك! تناقض مثير، يكاد يدرك فصاماً يحل بالكائنات في أواخر مصائرها!
ولكن ان يكون مع سماحة في سيارة واحدة. فهذا أمر طبيعي. فهما من زمان في "مجنزرة" سورية واحدة. قاطرة الشقيقة. (قال مؤخراً شو يعني الشقيقة، بل نحن شعب واحد: نعم! خيي جميل: لكن الشعب السوري هو شقيقنا وليس النظام الاستبدادي والقتل: براو جميل: منظر رائع للوحدة العربية، والتكامل العربي وللاشتراكية ولمهمة ذات رسالة العربية خالدة!". لكن الشعب هو الخالد. خيي جميل (أيها المواطن اللبناني الأصيل!) وليس الأنظمة ولا الأحزاب ولا الطغاة! والدليل: انت أين كنت، وأين صرت، كنت تحتل عدة كراس، وسلطات. ونفوذ. وتحمل العاباً تستحقها منها "صانع الرؤساء" و"مُرَكب الملفات"… واليوم تبحث عن كرسي تجلس فيه امام القاضي! صحيح أنت، اليوم شاهد! ولكن، عندما تستدعي فهذه من علامات نهاية زمن. ومرحلة زمن الوصاية التي "أمّرتك" و"صدّرتك" وميزتك… لتكون في صالوناتها أكثر من كرسي، وأكثر من موظف… نُفخت طويلاً وحلقت بمنطاد. لكن المناطيد هشة. دبوس واحد يثقبها ويسقطها! وها هي مناطيد الطغاة تتساقط. إذاً من الطبيعي ان يكون جميل السيد برفقة رفيق ولكم "الرفيق" جميل يقول انه كان مجرد "راكب". راكب صديق وحسب. ولم يكن يعرف أنه يجلس على جبخانة من المتفجرات. رائع! أهكذا يخفي الرفيق عن رفيقه الكنوز المحملة في سيارته. مستحمر هكذا وصف الموضوع. أو مستحمران. لكن حتى المستحمر يمكن أن يشتم ما قد يشتمه المستحمر. شاهد. لا متهم. نعم! لكن شاهد على ماذا؟ ألم يكن، أول من هرول إلى بيت سماحة بعد اعتقاله ليطمئن إلى بناته الثلاث! فيا للوفاء! ويا للصداقة! ولم يعرف السيد (ربما) انه عند تصريحه الناري وقبل أن يعرف اي تفصيل من تفاصيل التحقيق والاتهام، شكك الناس في كلامه. واستدارت "علامات" مريبة اليه. فاستماتته في الدفاع عن سماحة بُعيد اعتقاله بساعات بدت وكأنها محاولة للدفاع عن نفسه، لا من باب التضامن فقط، بل من أبواب أخرى أبعد، وأكثر تعقيداً!
وعندما كنا نستمع إلى مؤتمره الصحافي تأكدت تلك "الارتيابات" الأولية: فجميل السيد يوجه رسالة إلى ميشال سماحة، بعدم ذكره لا من قريب ولا من بعيد، لا في شأن مرافقته ولا في شأن علمه بالمتفجرات. والتركيز على سماحة (مع الاقرار بجريمته وان بطرق مواربة)، ذكرنا بتصريحاته الأولية: يتكلم على قضية سماحة وكأنه متهم! (مع انه شاهد) يدافع عن شهامة سماحة وكأنه شريكه الشهم (مع انه ما زال حتى الآن شاهداً لا متهماً). وهجومه على ريفي والحسن وميرزا.. والجميع، وتحويل مسألة سماحة، وكأنها "مؤامرة" او شخصية بينه وبين هؤلاء وكأنه يقول بالفم الملآن: لقد سربوا التحقيق. وهذه الجريمة. وقد عملوا على كشف وجودي في السيارة. وهذا "عداء" سياسي. وشخصي (!) لكن يا لواء البركة، والخير على لبنان، تسريب التحقيق لا يعني انكار اعترافات سماحة التي استشهدت بها! واطلاق اشارات بمكان وجودك، لا ينفي انك كنت غير موجود مع "رفيق سلاحك" في "ساحات وغى الوصاية الغزالية.. والمملوكية!" وماذا يعني تسريب التحقيق؟ لا شيء؟ أنوجه الأنظار إلى هذا التسريب لننسى المشكلة الأساسية: المتفجرات التي كانت ستغتال وتقتل الأفراد والرموز والجماعات؟ ننفخ الغبار هنا لكي نغطي ما هناك. ولكن الغبار غبار والرمل في العيون مجرد رمل في العيون التي رأت. ومن خلال هذا "العرض" الدونكيشوتي الرديء" الذي يليق بعروض "المسرح" التجاري انبريت بصوت من خشب. وعقل من خشب. ويدين من خشب. وعينين من خشب. "للدفاع" الاستباقي عن نفسك من باب الهجوم، "انا اعمى ما بشوف انا ضراب السيوف" هجوم كوميدي مضحك "وشر المصيبة ما يضحك" وحصيلة ما قلت: " لا شيء يذكر! بل كل شيء لا يذكر. او عاد لا يذكر. تكلمت وكأنك آتٍ من زمن آخر بدأ يولي. لا تودعه بقدر ما زلت تعيشه وتؤمن به، وكأن العالم ما زال كما هو، وكأنك انت ما زلت كموظف عند الوصاية قادر على التهديد والوعيد. وقادراً على تحويل الملفات. وقادراً على كل شيء. بل كأن حواسك طاشت. او علاقتك بالواقع انفصمت. بل كأنك لا تريد ان تصدق ما يجري حولك. كنت تظن أن الرئيس اميل لحود ما زال إلى جانبك.. ورستم غزالي امامك أو وراءك. والسلطان السوري حاضنك والنفوذ الطاغي حاملك. جنون العظمة حتى في زمن الإنهيار. جنون الانفصال عن الحياة، حتى في اللحظات التراجيديةّ! درت وُجلت وُصلت وانت تحوم حول نفسك. كأنما "كلامك" ما زال قادراً على "الحماية". او أن القاضي عضوم في انتظارك: يفتح ما يشاء من الملفات. ويلفق ما شاء منها. يحول المجرم ضحية. والضحية مجرماً. او لم تكن هذه لعبة العقود الأربعة التي كان كنت أنت واحداً من "أدواتها" لا من لاعبيها. وامام من كنت ستلعب دور "البطولة" اما الرئيس الراحل حافظ الأسد او وارثه بشار.. أم المرحوم آصف شوكت. وآل مخلوف.. او ماهر الأسد. انت خيط أسود بين خيوطهم السود ولو "كبرت براسك" فظننت انك تلعب دوراً رئيسياً.. لا دور الكومبارس! كل العملاء يا خيي جميل كومبارس. سواء كانوا رؤساء جمهورية أو حكومة، او مديري امن عام ام وزراء خارجية.. أو "قادة" ميليشيات وممانعات، كنت اداة "كبيرة" (على الأقل لأنك كنت من محظيات قصر المهاجرين) لكن يبدو ان رتبتك قد خفضت الى مجرد شاويش! هذا ما حصل مع "رفيق السلاح" ميشال سماحة الذي خفضت رتبته من "متعملق" اعلامي وسياسي إلى مجرد ساعي بريد. حامل بريد القتل. حامل بريد من الفتن والحروب والمآسي والخراب والدمار! فيا غربان الدم وقعتم هذه المرة. ذلك أن الأنظمة "المستبدة" لا تتعامل مع "العملاء" كأنداد! بل كمجرد وسائل تستخدم ثم ترمى بعدها. منديل كلينكس يستعمل ثم يرمى في القمامة. ذلك ان كل عميل ليس سوى قمامة، فما بالك اذا كان حامل البريد القاتل. او متواطئاً مع البريد القاتل. او متآمراً على ناسه. وشعبه وبلده وهل تظن يا جميل السيد أن الذين استخدموك (وأكرر انك ما زلت حتى الآن وحتى اشعار آخر شاهداً لا متهماً! والشاهد بريء حتى يتهم، والمتهم بريء حتى تثبت جريمته! (فأنت بينك وبين نفسك أين: هنا أو هناك أو هنالك!) أكثر يا جميل، بدا لي وأنا اشاهدك على الشاشة الصغيرة التي كبُرتْ بك "كوطني" مخلص لوطنك، وكأنك مجرد متسول! نعم! ما تواخذني (وانا احترم واتعاطف مع كل المتسولين!) متسول يمد يده وصوته الى من ينجده. الى من "يعطيه". الى خشبة ما، إلى قشة، إلى نظرة… إلى عطف.. لكنك استبدلت لهجة "التسول" الذليل… بلهجة من ما زال لديه ما يعطيه. هاجمت الجميع يميناً وشمالاً لأنك وجدت ان يديك الممدودتين ما زالتا بلا قرش من العون ، بلا كسرة تعاطف! وهذه "اللهجة الهجومية هي أقصى انواع التسول! أكثر: بدا لي وأنا أتابعك وكأن صوتك على امتداده كخيوط تقطعت. وكأنك امام مرآة من عصور أخرى، تتمرأى بها. بل كأنني اراك تلعب المشهد الأخير بكلام الفصل المسرحي الأول. تتحرك على المنصة، وكأنك لا تخاطب احداً. وكأن احداً ما عاد يصغي اليك: فصوتك المتقطع ، المنبتر، ذو "البحة" المنفلتة طويلاً، راح يمشي وحده. وان يديك واصابعك التي طالما شهرتها لتهديد الآخرين والتهويل عليهم.. خانتك، باتت كأنها لجسم آخر. ولشخص آخر، ولزمن آخر. ولجمهور آخر. ولهواء آخر: كيف تتعرف الأصابع احياناً على النهاية قبل العقل وقبل الفكر وقبل الوعي! اترى صوتك صار في عقلك! اترى يداك صارتا.. تفكيرك؟ حتى عيناك لما بدتا لي، وانت في هذا العرض المونودرامي، وكأنهما تدوران في محاجر فرغ فيها كل شيء، النظرة تعاكس اليد، اليد تصدم الصوت، الصوت يرتطم بالخلاء! فيا جميل، حتى اعضاء الجسم تخون صاحبها في ساعات الحقائق الكبرى! اي في ساعات الحقيقة العارية ، التي لا تلبس سوى نفسها. ولا تسعى الى غير نفسها وها هي الساعات المنتظرة تقبل وحدها. وها انت في ركابها، بلا رفيق ولا شفيق! ولا شقيق! وحدك. تنظر إلى ورائك وكأنك تنظر إلى امامك! ترى وراءك بديداً… وامامك نذيراً. ذلك ان، في مثل هذه الظروف قد تتراكم عليك موروثاتك وتواريخك الحافلة بالالتباس. فماذا يمكن ان تستبقي من ذكريات. القاضي عضوم. رستم غزالي. غازي كنعان.. والوف الضحايا في بلدك! والوف الضحايا التي زهقها النظام الشقيق (وهو شقيقُ امثالِك، لا شقيق الشعبين العظيمين اللبناني والسوري) تتراكم الجثث امامك! وخلفك! والصراخ في السجون. وادوات التعذيب. و17 ألف لبناني ما زال مخطوفاً في معتقلات النظام شقيقك، وشقيق امثالك! وهل يا ترى ستتذكر اليوم ، ابو عدس، والحجاج الاستراليين (ولا اتهمك بشيء. اسأل غيري!) وشاكر العبسي… وهل، من باب (الاستئناس قد تتذكر مثلاً موكب الشهداء الطويل (اذكرك بالنظام الشقيق!) من كمال جنبلاط الى المفتي حسن خالد، إلى الرئيس رينيه معوض، إلى ناظم القادري، فإلى رفيق الحريري، (ماذا فعل لهم يا جميل رفيق الحريري؟ أكرر لا اتهمك بشيء؟) وسمير قصير (أترى هل بقي في عينيك ما يدمع على قتل هذا الرجل الكبير) وجبران تويني وبيار امين الجميل وجورج حاوي (المقاوم الأول في لبنان!).. وهل يمكن ان تتصور يا جميل (هذا اذا كنت ما زلت قادراً على هذا الفعل) ماذا كان سيحدث لو لم يكتشف فرع المعلومات مؤامرة النظام السوري وميشال سماحة: القتلى. الموت. الخراب! اسألك: هل انت حزين ام سعيد لانكشاف ميشال سماحة؟ هل انت تدين ما قاربه رفيقك وشقيقك في "العروبة" (يا عين). لكن، عندما رأيتك، وسمعتك وانت على هذه "المنصة" الاعلامية "الرملية" تيقنت ان مثل هذه الأسئلة لا تخطر عليك! لا لحظة أسف! لا شيء! على العكس وبدلاً من ان تدين حامل متفجرات الفتنة والجريمة ها انت تهاجم من كشفها! رهيب! تهاجم رئيس الجمهورية وكأنه اميل لحود. تهاجم ريفي والحسن وكأنهما من خططا لجريمة سماحة. وكأنهما خانا وطنهما لكشفهما هذا المخطط. لم ترشق النظام السوري الذي ينتهك سيادة بلدك، ويقصف من وراء الحدود اهلك. ويوقع الضحايا! بوردة. لم اسمعك تستنكر حتى المخطط الاجرامي الذي رسمه النظام المملوكي ضد اهلك! فها انت تدين من لبى نداء الواجب والوطنية، وتدافع عمن حُمّل "الشر" .. والقتل والمجازر! ولهذا، رأيتك في هذه اللحظة وحيداً جداً، كالملك لير الذي تخلى عنه الجميع. اكثر: رأيتك على تلك المنصة الاعلامية.. وكأنك مجرد خرقة خرقة! لا أكثر! خرقة مهلهلة، تجردت ربما من جسم صاحبها، ومن حواسه! قلت خردة: أكثر: تصورتك وانت امام مراياك المحدبة في غضبك الضعيف، وصراخك المخنوق وكأنك خردة: مجرد خردة قديمة، من زمن آخر ومن كوكب آخر، كأنما المنصة خُردة، وصورتك خردة! بل اخشى ان اقول كأن المنصة.. بدت لي "مِقصلة"؟