كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية":
تركت الزيارة الخاطفة لنائب وزير الخزانة الأميركي نيل وولن إلى لبنان سيلاً من الانطباعات المختلفة على الساحتين المصرفية والسياسية. وفي مقابل القراءة المالية الإيجابية، جاءت القراءة السياسية في اتجاه السعي إلى فهم المنحى الذي ستتخذه العقوبات الأميركية على مسافة اقلّ من شهرين على الانتخابات الرئاسية. فما هي عناوين القراءتين؟
توقفت مراجع مالية كبرى أمام مضمون البيان الذي أصدرته السفارة الأميركية بعد قليل على مغادرة وولن إلى الرياض، والذي قال إنّ الأخير، "شدّد على حاجة لبنان إلى منع إساءة استخدام القطاع المالي فيه من جهات غير مشروعة، وعلى حاجة المصارف اللبنانية والسلطات المُنظِّمة إلى أن تبقى يقظة لجهة التهرّب من العقوبات من قِبَل إيران وسوريا".
القراءة المصرفية الإيجابية
وقالت المراجع بثقة عالية لا يرقى إليها الشك، إنّ النصيحة الأميركية تركت وقعها الإيجابي على المستوى المصرفي والمالي، ورأت في شكلها ومضمونها وتوقيتها شهادة في ما يجري تطبيقه في القطاع المصرفي في لبنان بشكل متشدد لا يقبل أي شكل من أشكال المخادعة أو المراوغة أو الخروج على مضمون ومرامي القرارات الدولية التي تحدثت عن عقوبات تصدر عن مختلف المراجع الدولية سواء تلك التي عنت سوريا أو إيران أو أي دولة أو منظمة تخضع لمثل هذه العقوبات في أي مكان من العالم.
وكشفت المراجع أن وولن كان صريحاً في الكشف عن النية في تشديد العقوبات على العديد من المنظمات والدول الدائرة في الفلك الإيراني والسوري، إضافة إلى تضييق الخناق على مؤسسات الدولتين ومصارفهما والمؤسسات المالية وشركات الصرافة فيهما. ويقول المطلعون إنّ وولن كان واضحا عندما كشف عن المُقبل من قرارات الحصار والعقوبات المفترضة التي تستعد إدارته في فرضها وتطبيقها ومعها مؤسسات دولية وأممية كبرى.
لبنان سبق العالم بالتزامه
ولما دخل في التفاصيل، سأل وولن عن نشاط بعض المصارف العاملة في لبنان وتوقف ملياً أمام نشاط بنك صادرات إيران ومصرف آخر له "علاقات مميزة" مع القيادة السورية، سائلاً عن الجدوى من استمرار العمل فيهما ومدى التزامهما العقوبات المفروضة وشكل العلاقات القائمة بينهما ومصارف ومؤسسات مالية أخرى في لبنان. فكان الجواب أنّ لبنان سبق كل دول العالم في تطبيق العقوبات الدولية بقرار ذاتي ورقابة ذاتية تفوق بقوتها الرقابة الخارجية نظراً إلى احتسابها في الميزان المالي والاقتصادي في لبنان والتي تحمي اقتصاده من كل الخضّات الدولية التي عصفت بكبريات الدول والمؤسسات المالية العالمية.
وأبلغ المسؤولون اللبنانيون إلى الوفد الأميركي أنّ معلوماتهم عن حجم العمليات المالية التي تقوم بها هذه المصارف مضخمة للغاية وليست في محلها على الإطلاق ولا تثير الهواجس. فهذه المصارف التي طاولتها العقوبات الدولية محدودة الدور في لبنان وحركتها المالية لا تقاس بحركة فرع من فروع مصارف لبنان المتوسطة الحجم. وأن من بين زبائن المصارف المستهدفة من لا يستطيع تجيير أو صرف شيك بسيط منه في المصارف العاملة في لبنان، فيضطر صاحبه إلى سحبه من المصرف مباشرة، وعليه أن يحمل أمواله نقداً، عدا عن أن الحركة المالية الفصلية لهذه المصارف لا تتجاوز بضعة ملايين الدولارات التي يمكن تداولها في أي فرع من أي مصرف لبناني آخر.
القراءة السياسية المرتقبة
هذا على المستوى المالي والمصرفي، أما على المستوى السياسي فقد قرأت المراجع المعنية زيارة وولن ومحادثاته مع المسؤولين اللبنانيين على أنّها إشارة بالغة إلى حجم العقوبات المقبلة سعيا وراء حصار مالي واقتصادي أعمق وأشّد في المرحلة المقبلة، سيخرج عن نطاق تحديد المؤسسات المالية الكبرى المستهدفة وصولاً إلى الأشخاص والمؤسسات الفردية والصغيرة منها وهو أمر يدركه لبنان جيداً، وقد احتسب مخاطره سلفاً عندما تشدّد في تنظيم عمل مؤسسات "البريد السريع" والصرافة المالية التي يتداول عبرها اللبنانيون والمقيمون على الأراضي اللبنانية مبالغ محدودة للغاية تُقاس بحاجات الفرد اليومية كما بالنسبة إلى الإجراءات التي التزمتها مصارف لبنان عملا بمضامين القرارات الصادرة عن حاكمية مصرف لبنان وهيئة الرقابة على المصارف والهيئات المكلفة ومنع تبييض الأموال وسبل استثمارها.
لماذ استهداف نصرالله؟
على هذه الخلفيات، وضعت المراجع المعنية القرارات الأخيرة التي صدرت عن وزارة الخزانة عندما فرضت عقوبات على الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله بسبب تأمينه الدعم للحكومة السورية. كما تمّت تسمية اثنين من كبار قادة الحزب هما مصطفى بدر الدين المتهم بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وطلال حمية المسؤول عن الأمن الخارجي للحزب، بسبب تقديمهما الدعم إلى أنشطة "حزب الله" الإرهابية في الشرق الأوسط وحول العالم".
تجدر الإشارة إلى أنّ الإدارة الأميركية استدركت وقالت في متن قراراتها حول تجميد أرصدة السيد نصرالله ورفيقيه، بعبارة تنهي بعضاً من مفاعيلها مسبقا، إمكان "تجميد أي أرصدة محتملة لهم في الولايات المتحدة"