إلى جانب القيمة الروحيّة والرسالية لزيارة البابا بنديكتوس السادس عشر للبنان، هناك المشهد الذي قُدِّر له أن يرافق الزيارة ويواكبها ويطبعها بميسمه.
والعنوان العريض لذلك المشهد، هو أنّ الشجاعة الإيمانية لا تقلّ بأساً عن تلك المتّصلة بالموقف السياسي أو المنازلة العسكرية. وانطلاقاً من تلك المكرمة، تتفرّع صوراً هامشية تجعلها اللحظة الراهنة ذات أهمية مزدوجة. إذ لم يكن بسيطاً التأكيد بداية على الزيارة رغم حساسية الوضع اللبناني ازاء التطورات الثورية الجارية في سوريا. ولم يكن بسيطاً بعد ذلك، إتمامها بعد التطوّر الذي أوجده الفيلم المسيء إلى الإسلام والمسلمين.. وفي الأمرين الكثير من السياسة، والكثير من ألطاف رب هذه الدنيا بلبنان.
جاء البابا في ذروة "سعي" شرير لإشعال الموقد الفتنوي اللبناني، فواكب على قياسه الرفيع، الجهود التي بُذلت وتُبذل محلياً على المستويين السياسي والأمني للرد على ذلك السعي، ولمنع الأشرار من تحقيق غاياتهم. ولا يمكن تصوّر مَدَد لذلك التصدّي، أرفع وأهم من مجيء خليفة بطرس الرسول إلى لبنان ليؤكد في مجيئه، ثقة غالية فيه وفي أهله كما في حاضره ومستقبله.. وسلامه الدائم.
على هذا المستوى جاءت الرسالة المحلية ممهورة بطابع اقليمي. لكن على المستوى الأبعد مدى، فإنّ "الصدفة" جعلت من الزيارة، رسالة ردّ مجلجلة على محاولات تسميم منطق الحوار بين الحضارات والأديان وإشاعة مناخ دولي يعلو فيه مجدّداً صوت التطرّف في الزمن الغلط من خلال ذلك الفيلم البذيء.. على هذا المستوى، جاءت الرسالة الثانية ممهورة بطابع شمولي يؤكد مضمونه (وشكله) أنّ صراع الحضارات ليس حتمية تاريخية! بل ليس سياسة يمكن أن تواكب العولمة بكل أبعادها: الزمن المفتوح لا تلائمه النظريات (والمحاولات) المغلقة والمقفلة.
.. في المباشر الخاص باللحظة العربية الراهنة، أعطى البابا شهادة حاسمة أنهت جدالاً وُظِّف في غير موضعه، كما أنهت التأويل والتخمين: "الربيع العربي أمر إيجابي.. صرخة حرية وبحث عن هوية عربية متجدّدة".
أنهى في جملتين، محاولات خطيرة لأبلسة التاريخ ومحاولة ربط دور المسيحيين، بل دور المسيحية الدائم في هذا الشرق بأنظمة طغيان عابرة!
زيارة خليفة بطرس الرسول: ربيع لبناني، ورضى ربّاني على وطن الأرز وأهله!