وسط هذه العاصفة الهوجاء التي هبّت احتجاجاً على الفيلم الشرّير الذي اقترفته عقول تخطّط لإضرام الفتن في العالم العربي، حطَّت ظهر أمس طائرة إيطاليّة في مطار رفيق الحريري الدولي وعلى متنها البابا بينيديكتوس السادس عشر، آتياً باسم الآب لمباركة البلد الذي وطأت قدما السيّد المسيح أرضه في قانا، مروراً بصيدا وصور.
إنه البابا الثالث يزور الوطن الرسالة، أو يعبره، متأبّطاً الارشاد الرسولي من أجل الشرق الأوسط، وحاملاً الى اللبنانيّين تمنيات ودعوات من القلب بالحفاظ على هذا البلد الذي حقّق بصيغته وتعدّديته ما لم يتمكن أي بلد كبير من تحقيقه.
كلُّهم كانوا هناك. الرؤساء الثلاثة. رؤساء الطوائف الثماني عشرة. الوزراء. النواب. القيادات والمرجعيَّات. حضروا مع زوجاتهم، ومع ابتسامات تعبّر عن فرح وترحيب بالزائر الكبير، وفي هذه الفترة الحرجة التي يتطلّع فيها اللبنانيون الى رجاء الخلاص والأمان، والنأي الفعلي عن المخاطر الداهمة.
إنه يوم لبنان الذي به سُرَّ البابا، وسُرَّ اللبنانيّون الذين يتطلّعون صوب موعدهم مع الاستقرار والطمأنينة.
كلّهم جميعهم توجّه إليهم حامل الارشاد الرسولي بكلمة أرادها تعبيراً عما يكنّه لهم ولبلدهم، وعن اعتقاده ان التعدُّد أو التنوُّع هو النعمة الحقيقيَّة التي ساعدت لبنان دائماً وأبداً.
اللافت جداً، أن بينيديكتوس السادس عشر بدا واثقاً ومطمئناً الى قدرة اللبنانيين على تجاوز المحن والأزمات التي تتهدّدهم منذ زمن بعيد، وخصوصاً بعد اكتشافه اشتراك كل الطوائف في استقباله، واندفاع الضاحية لتزيين الطريق التي سلكها بالأعلام والتصفيق والابتسامات العريضة.
هذي هي صورة لبنان الحقيقي. صورته التي تجمع كل اللبنانيين من دون استثناء، مسلمين ومسيحيّين في استقبال رأس الكنيسة الكاثوليكية، وفي وقت حرج للغاية، وفي زمن "الربيع العربي" والتطوّرات المتتابعة التي تكاد تشمل المنطقة.
من الطبيعي أن يكون العالم وكبار مسؤوليه قد رافقوا هذه اللحظة التاريخيّة عَبْر الفضائيات. وليس كثيراً إذا ما علت الدهشة وجوههم، وتساءلوا عن السرّ الذي يجعل بلداً بهذا الحجم، وبهذه التناقضات، وفي هذه المنطقة، يخرج كلّه من دون استثناء لاستقبال البابا.
إنما ذلك لا يعني أن مسيحيي المشرق ليسوا في مأزق كبير، ويحتاجون الى أكثر من كلام تطميني، والى أكثر من ارشاد رسولي، وأكثر من نداء.
فالمسيحيون المشرقيّون هم أهل الأرض. كانوا هنا منذ البدايات الأولى. وكانوا الايمان والشعر والنثر والابداع والانفتاح. لكن كثيرين منهم باتوا هدفاً للاضطهاد والتنكيل.
كم تسهل المهمّة حين يبدأ بينيديكتوس السادس عشر الخطوة الأولى في هذا الاتجاه.