#dfp #adsense

البابا يستخدم المنبر اللبناني لإعلان مصالحة تاريخية اسلامية – مسيحية

حجم الخط

يقول مرافقو البابا ان زيارته للبنان هي استكمال لزيارته الاولى لتركيا. وهو يتطلع الى موجة الاسلام التي غمرت منطقة الشرق الاوسط، بالمنظار الذي رأى فيه سقوط القسطنطينية.

صباح يوم خريفي من سنة 1989، فوجىء سفير لبنان في بغداد سهيل شماس بوفد يضم شخصيات دينية من الطائفتين الكلدانية والاشورية، تطلب مقابلته بالحاح.

وبعد الترحيب، والاستفسار عن طبيعة الزيارة، تحدث اكبرهم قدراً، فقال: "أريد، يا سعادة السفير، ان ادخل مباشرة في صلب الموضوع. ان ما يحدث في لبنان من اقتتال مسيحي – مسيحي يقلقنا ويصدمنا. صحيح اننا نتطلع الى الفاتيكان كسلطة دينية نعترف لها بالولاء… ولكن الصحيح ايضاً اننا ننظر الى مسيحيي لبنان كنموذج حيوي نسترشد بسلوكه واعماله… او كحصن أمامي ندافع به عن معتقداتنا وايماننا. وينسحب هذا الكلام على كل مسيحيي المشرق بدءاً من العراق… مرورا بسوريا… وليس انتهاء بمصر".

ثم أكمل الحديث موفد آخر، مضيفاً: "رجاؤنا ان تنقل هذه الرسالة الى من يهمهم الامر في لبنان، وبخاصة الى الرؤساء الروحيين والقيادات السياسية من موارنة وكاثوليك وارثوذكس واقليات".

ونقل المرحوم سهيل شماس رسالة الجاليات المسيحية في العراق، محذراً من تبعات الرعب المسلح الذي اثاره نزاع العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع. وهو نزاع عميق لم تمح احقاده فترة 22 سنة امضى الاثنان نصفها بين السجن والمنفى. وقد تجدد ذلك الخلاف المعلن مع زيارة البابا بينيديكتوس السادس عشر للبنان، الامر الذي يؤكد استمرار التباين بين زعماء الموارنة على سلطة وهمية صادرها منهم اتفاق الطائف.

اللافت في هذا الشأن، ان جماعات 14 آذار و8 آذار استغلت زيارة البابا كي تعبر، عن هواجسها السياسية المتعلقة بمصير المسيحيين داخل لبنان وسوريا. ففي حين يحذر ميشال عون من مخاطر تغيير النظام السوري لايمانه بأن هذا التغيير سيقضي على لبنان… ينبري جعجع لطرد هذه المخاوف، لاعتقاده بأن دمشق لم تتخل يوماً عن فكرة الوصاية على اللبنانيين.

المسؤولون في لبنان اخذوا موقفاً مماثلاً للموقف الذي اعتبرته الحكومات السابقة منسجماً مع طبيعة دور لبنان في المشرق العربي. أي الدور الذي تجلى بوضوح اثناء الزيارة التاريخية التي قام بها البابا يوحنا بولس الثاني سنة 1997 يوم شدد في خطابه امام ساحة "الريفولي" على النمط الناجح لصهر 18 طائفة، وبناء وحدة وطنية متكاملة تضمن لجميع الارادات والفوارق تفاعلها وتطورها.

البابا البولندي وصف لبنان، امام حشد شعبي ضخم، بأنه وطن الرسالة والعيش المشترك، واختبار القيم المسيحية واستمرارها وسط العالم الاسلامي. ودعا اللبنانيين في حينه الى التمسك بصيغة الانفتاح ونبذ العزلة والقوقعة، وكل ما يعزز روح التآخي والشراكة الوطنية.

وفهم الرؤساء الثلاثة الياس الهراوي ونبيه بري ورفيق الحريري، الذين تقدموا الحشد الشعبي، ان البابا يوحنا بولس الثاني كان يسعى الى تأكيد دعوته في ضرورة التصاق المسيحيين بأوطانهم العربية، وعدم مبارحتها تحت أقسى الظروف واكثرها ضراوة واضطهاداً.

ومن الواضح ان زيارة خلفه بينيديكتوس السادس عشر، تهدف الى احياء الدعوة ذاتها. والسبب، كما فسره رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ان لبنان بقي وحده في المنطقة يمثل مركز الاختبار الناجح لديمومة العيش المشترك والتجربة الحضارية.

قبل مجيئه الى لبنان، وصف البابا زيارته بأنها غير مرتبطة بزمان ومكان، لأنها ستخصص لايجاد حلول للمشاكل التي تضرب المنطقة، خصوصاً ان المجتمع الدولي بات يعرف اهمية السلام المستقر والدائم في الشرق الاوسط. وعليه قرر ان يضع شارة "السلام" عنواناً لزيارته التي بدأت امس.

وفي ضوء هذا الاعلان، سيطلب بطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، من البابا الاعتراف بالدولة الفلسطينية. وفي الخطاب، سيذكر البطريرك لحام، الذي يرئس اكبر الطوائف الكاثوليكية في لبنان، بالكلمة الجريئة التي القاها وزير خارجية الفاتيكان المونسنيور دومينيك مامبرتي، عندما طالب الامم المتحدة (ايلول 2011) بضرورة الاعتراف بدولة فلسطينية.

ويرى البطريرك لحام، ان للقضية الفلسطينية على الكنيسة التأثير الكبير من الناحيتين الدينية والانسانية. وتشير الاحصاءات الى ان اكبر هجرة جرت في الشرق الاوسط، كانت هجرة مسيحيي فلسطين الذين طردهم الاسرائيليون يوم شكلوا 25 في المئة من عدد سكان البلاد.

ويكفي ان نذكر بأن عدد الذين توجهوا الى التشيلي عقب طردهم من بيت لحم والناصرة، يزيد على 120 الف نسمة. اما الاعداد الباقية فلا تزيد على 150 ألف نسمة داخل اسرائيل و50 ألفاً في الضفة وغزة.

وحول هذه المسألة المحزنة، قال البابا في خطبة الاحد الماضي في مقره الصيفي: اني اتفهم قلق الكثير من سكان الشرق الاوسط الغارقين يومياً في آلام حياتهم الخاصة والعائلية. وما يشغل بالي باستمرار مستقبل أولئك الذين يبحثون عن ملاذ آمن يلجأون اليه بعد تخليهم عن منازلهم ووظائفهم واوطانهم".

وكان البابا بهذا الكلام الايحائي، يذكر بمأساة المهاجرين المسيحيين من العراق بعد تعرضهم للاضطهاد والملاحقة خلال السنوات العشر الاخيرة. وقد تعدت اعداد الهاربين على دفعات 900 الف عراقي لجأوا الى سوريا والاردن ولبنان وكردستان.

يقول الخبراء ان عدد المسيحيين في الشرق الاوسط لا يتعدى العشرين مليون نسمة، بمن فيهم جماعة ايران (135 الفاً) وجماعة تركيا (85 الفاً). وبما ان اقباط مصر يشكلون نصف هذا العدد تقريباً، فقد حرص الرئيس محمد مرسي، على تطمينهم واحتضانهم، مؤكداً لممثلي الكنائس ان العلاقات الاسلامية – المسيحية، ستظل حجر الزاوية في سياسته الداخلية.

ولكن الاهتمام الذي اظهرته حكومة "الاخوان المسلمين"، لم يخفف من هواجس اقباط مصر ومخاوفهم. خصوصاً ان ذاكرتهم الجماعية ما زالت تحمل صور المجازر التي ارتكبت ضدهم في عهد انور السادات (مجزرة الكشح في الصعيد) او في عهد حسني مبارك (مجزرة الزاوية الحمراء).

ويستدل من قائمة هجرة اقباط مصر، ان وفاة البابا شنوده الثالث (باسم نظير جيد روفائيل 1923 – آذار 2012) كان لها ابلغ الاثر على ابناء رعيته. والسبب انه كان يمثل لهم ركيزة الانتماء الوطني، ويشعرهم بحصانة مرجعياتهم المتجذرة في تاريخ مصر منذ كنيسة الاسكندرية.

يجمع المؤرخون على رسم خط فاصل للتمييز بين مرحلتين مختلفتين، أي مرحلة البابا يوحنا بولس الثاني ومرحلة خلفه بينيديكتوس السادس عشر.

ذلك ان الأول كرّس عهده لمحاربة النظام الشيوعي والعمل على اسقاطه عبر الكنائس المنتشرة في وطنه بولندا، والدول المتاخمة. ولقد شعر الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف بتأثير دعوته وتحريضه المتواصل، الأمر الذي شجع الـ"كي.جي.بي" على اغتياله. واختير للمهمة شاب تركي متعصب يدعى محمد علي آغا. وقد تعقب البابا اثناء زياراته الخارجية طوال سنتين، ولكنه عجز عن استهدافه. وفي آخر محاولة أطلق علي آغا رصاص مسدسه على البابا في ساحة القديس بطرس. وقد صدر بحقه حكم المؤبد الى ان عفا البابا عنه وسامحه.

بخلاف توجه سلفه، فإن البابا الالماني بينيديكتوس، حصر اهتمامه بدراسة وقائع الحصار العثماني للقسطنطينية. وقد أدرك يوم كان كاردينالاً الأهمية التاريخية لسقوط القسطنطينية في يد السلطان محمد الفاتح. وهكذا عوّض المسلمون عن فقدان قاعدتهم الأوروبية في الأندلس، بتدشين قاعدة في اقصى الشرق الأوروبي (1453م) حيث كانت الامبراطورية البيزنطية.

وقد حرص البابا الجديد على ان تكون تركيا هي البلد الأول في سلسلة الزيارات التي قرر القيام بها. ولما تلقى الدعوة من بطريرك الكنيسة الارثوذكسية، سارع الى تلبيتها، علماً ان ارثوذكس تركيا لا يزيد عددهم على واحد في المئة من عدد السكان.

وقد صدف قبل وصوله باسبوعين ان عرضت المكتبات العامة في القسطنطينة وانقرة، كتاباً مثيراً للجدل عنوانه: من سيقتل البابا؟

والطريف ان المؤلف رشح اسماء مختلف الأحزاب والكتل السياسية، ولكنه استثنى الاسلاميين من المحاولة. ومع هذا كله، فقد نشر رجب طيب اردوغان، رئيس الوزراء، أكثر من 22 ألف شرطي لحماية الحبر الأعظم، حرصاً على سلامته من أي أذى.

وقبل أن يتوجه إلى لبنان سئل البابا ما اذا يخشى الاغتيال، فأجاب: أنا دائماً بين يدي الله. وهو الحارس والمعين.

يقول مرافقوه ان زيارته للبنان هي استكمال لزيارته الأولى لتركيا. وهو يتطلع الى موجة الاسلام التي غمرت منطقة الشرق الأوسط بالمنظار الذي رأي فيه سقوط القسطنطينية. أي أنه يراها آتية مثل "التسونامي" الذي يحاصر الأنظمة العلمانية ويهددها بالسقوط. وكما سقطت الامبراطورية البيزنطية أمام جحافل محمد الفاتح… فإن سقوط الأنظمة العربية التقليدية أمام موجة الاسلام المتطرّف، ستصبح قريباً من المسلّمات. والشاهد على ذلك ما حدث للسفير الاميركي في بنغازي. وما حدث لحسين شميط في محافظة الاقصر، المتهم بتنفيذ محاولة اغتيال حسني مبارك.

من هذا المنظور، يمكن تفسير عنوان "السلام" الذي حمله البابا بينيديكتوس السادس عشر إلى لبنان، لعله ينجح من فوق هذا المنبر في اجراء مصالحة تاريخية بين الاسلام والمسيحية داخل منطقة لم يعد للمسيحية فيها سوى الملاجئ!

المصدر:
النهار

خبر عاجل