أشرق النور البابوي على لبنان، كلّ لبنان، ففتح قلبه للبابا بنديكتوس السادس عشر الذي أزاح في عيد «ارتفاع الصليب»، أمس، عبئا عن كاهل اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا، فسكب «إكسير» الأمل في قلوبهم وثبّت لبنان «قبلة» المسيحيين المشرقيين، فرنّموا له وهتفوا من أعماق قلوبهم: «سلام سلام لك يا بابا»!
«راهب العقيدة» الآتي باسم السلام، يستكمل زيارة سلفه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني في العام 1997. يومها خاطب «الملاك الأبيض» رعيته قائلا: «كلّ شيء يمكن أن يتغيّر، فللشدّة وقت… ويأتي زمن الانتصار». يومها كان جوزف راتزينغر رئيسا لمجمع «العقيدة والإيمان» والساعد الأيمن ليوحنا.
بعد 15 عاما، سار جوزف الذي صار البابا بنديكتوس السادس عشر على «درب الجلجلة» اللبنانية ذاته التي وطأها سلفه حاملا صليب المسيحيين اللبنانيين الذين كانوا في «محبسة الألم»، فإذا بخليفته يحمل صليب المسيحيين المشرقيين من أرض باركها المسيح قبلا وعاش في ربوعها في صيدا وصور وقانا التي ذكرت في الإنجيل المقدس مئات المرات، كما ذكرت القدس والناصرة وبيت لحم ونهر الأردن.
أضاء المسيحيون مصابيحهم مجددا بعدما أطفأوها منذ 15 عاما، وقد نسوا في غمرة الحوادث وصايا «الأب الأقدس» فجاء بنديكتوس لينعش ذاكرتهم ويزرع في قلوبهم رجاء متجددا بدعاء سلفه: «أيتها العذراء امنحي هذا الشعب أن يبقى الوارث الجدير بتاريخه العظيم».
عام 1997، طار البابا الى الفاتيكان وتطايرت معه الوصايا الكنسية، فطبّق المسيحيون الإرشاد الرسولي الذي أودعه إياهم مجتزأ وكلّ على طريقته. لم يكن البابا جاهلا لواقع لبنان ومآل الأمور فيه، ولمن يذكر وقتها أنه استمرّ مقطّب الحاجبين، عابسا منذ لحظة وصوله مطار بيروت الدولي، وبرغم تفجر الجموع اللبنانية بأطيافها المختلفة لاستقباله لم يظهر بسمته الملائكية، ولم تنفرج أساريره إلا حين التقى الشباب اللبنانيين في «بازيليك» سيدة لبنان في حريصا فخاطبهم قائلا: «أنتم مستقبل لبنان».
يومها أخاف البابا الدولة، التي رغبت في إنجاح الزيارة لكنها خشيت أن تفيد منها المعارضة المسيحية فتمنّت «تنفيسها».
كان من حقها أن تخاف. فالزائر شخصية استثنائية، ليس لأنه أول بابا غير إيطالي في الكنيسة منذ 455 عاما فحسب، بل لأنه البابا الذي مشى عكس التاريخ الذي كان يمرّ بموسكو، واستعاد في وقفته في «بازيليك» سيدة حريصا وقفته التاريخية في بولونيا على درج معبد «تشتوركون» ليحتفل بالقداس الإلهي على أنقاض الشيوعية.
إلا أن خوف الدولة من أن ينقض البابا مخططاتها لم يدم طويلا، لأن من «نفّس» الزيارة فعليا هم المسيحيون أنفسهم، فبعد الاستقبال الجارف أطفأوا مصابيحهم مجددا وعادوا الى «محبسة» الإحباط والخوف والانقسام والتشرذم، تخطوا تنظيمهم يوم الزيارة بين «قوات» و«عونيين»، طووا الإرشاد الرسولي المخصص لهم أصلا، وعادوا الى حياتهم «الطبيعية» التي استمرت حتى الزلزال الكبير الذي تمثل باغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005.
بعد هذه المرحلة، طبقوا الإرشاد على سجيتهم وبطريقة لا ترقى الى الروحية التي أرادها يوحنا بولس الثاني الذي ائتمنهم على تحقيق المصالحة الوطنية وجسر وما انقطع بينهم أولا وبين شركائهم في الوطن جرّاء الحرب الأهلية وذيولها ثانيا.
هنا، من المفيد تذكير المسيحيين اللبنانيين بالإرشاد الذي خصصه قداسته لهم في العام 1997 في عناوينه الكبرى بالتأكيد:
الإرشاد الرسولي تحدث عن «القوات غير اللبنانية» شاملا وقتها القوات السورية والإسرائيلية (من دون ذكرها بالاسم)، وورد فيه كلام عن «الاحتلال الذي يهدد الجنوب اللبناني»، وعلى عادة الإرشاد لم يدخل في التفاصيل والتسميات المباشرة بل اكتفى بالعناوين الكبرى.
وجاء في الإرشاد أن «الدولة لا يمكن أن تبنى على القوة لكي تكون محترمة»، وأن «الكنيسة الكاثوليكية المنفتحة على الحوار والتعاون مع مسلمي لبنان تريد الانفتاح على الحوار والتعاون مع مسلمي البلدان العربية الأخرى التي لبنان جزء منها». وهذا الكلام أسهم في حصول «انقلاب» في التفكير الإسلامي حيال الدور المتجدد للفاتيكان في لبنان، إذ أكد بالدليل الدامغ أن تضامن لبنان مع العالم العربي لا يلغي الخصوصية اللبنانية.
لم تقم بعد زيارة البابا يوحنا بولس الثاني أي مبادرة جادة على مستوى الحوار بين المسيحيين أنفسهم، وعجز المسيحيون عن التوظيف السياسي لوقائع الزيارة البابوية فكانت النتيجة السياسية الوحيدة هي تكريس البطريرك السابق الكاردينال نصرالله صفير زعيما «للجماعات» المسيحية في لبنان.
كذلك لم يترجم الإرشاد الرسولي الى خطط وبرامج ومشاريع على المستويات الكبرى في العائلة والرعية والأبرشية والجمعيات الأهلية والمدارس الكاثوليكية، ولم يتمكن القادة المسيحيون الموجودون في السلطة من استلهام القيم السامية في عملهم السياسي وتقاسم المسؤولية والتضحية ولم يعربوا عن استعداد للتعاون الصادق في بناء بلدهم على قاعدة القيم الإنسانية التي نادى بها الإرشاد الرسولي إلا كلاميا فحسب.
ينطبق على الواقع المسيحي ما قاله آينشتاين يوما: «من الأسهل تجزئة الذرّة من تغيير الذهنيات».
أعلن البابا السابق يومها ميثاقا وطنيا جديدا «للبنان الرسالة»، وقدم ورقة عمل لجميع اللبنانيين وليس للمسيحيين وحدهم، لم يفد منها أحد، لم يضع المسلمون والمسيحيون الأسس والشرائع التي جاءت على لسان يوحنا بولس الثاني موضع التنفيذ وبقيت عبارات هامة «فولكلورا» يستعاد في المناسبات.
اليوم يعود البابا الى بلد مقطّع الأوصال، فيه كلّ أنواع الأسلحة، إلا سلاح الصلاة والرجاء والكلمة الحق، يخاطب شعبا يغامر قادته في ترسيخ مفهوم مسيحي مختلف عن حقيقة المسيح وتعاليمه، شعب نسي زعماؤه أنه لا يكفي أن يولد الإنسان مسيحيا ليكون مسيحيا حقيقيا إذا لم يتحد بالكلمة ويموت كل يوم ليحيا من جديد مثمرا ثمرا جيدا… كما حبة الحنطة.
اليوم وغدا، سيقف البابا أمام آلاف الشبان والشابات المسيحيين وسيصرخ مجددا «لا تخافوا».
ومع عظته السماوية ستعود الذاكرة المسيحية الجماعية الى حادثة صلب «البابا الأول» أي بطرس الرسول في ساحة روما، وهي اليوم مقرّ الفاتيكان. في تلك الحقبة، صلب بطرس «بالمقلوب» إذ أبى أن يصلب كالمسيح وسط قهقهات الإمبراطور «نيرون» المنتشي بانتصاره على المسيحيين والقضاء عليهم في الإمبراطورية الرومانية الوثنية.
ولأن البابا هو ممثل «بطرس الرسول» يختزن حضوره هذه الرمزية المسيحية التاريخية كلّها، لذا هو المخوّل والقادر وحده على إعادة إنعاش ذاكرة المسيحيين المنجرفين وراء السلطة الفانية والحياة السطحية والخائفين من محيط عربي متحوّل، فيقول لهم: ليس بعد الموت إلا القيامة.
البابا «صخرة الكنيسة» جاء ليقول للبنانيين ومعهم مسيحيو المشرق: «سلامي أعطيكم».
قد يبتسم بعضهم متسائلا: عن أي سلام يتكلّم البابا وسط أعاصير «الربيع العربي» التي تهدد بجرف المسيحيين المشرقيين الى غرب لا يعرف من المسيحيّة إلا عنوانها؟ عن أي توازن يتحدث؟ الى أين سيقود الإرشاد الجديد؟ من سيقرأه وينفذه؟
يتناسى هؤلاء كلمة «ابن الإنسان» القائل: «في البدء كانت الكلمة»، ويتناسون أن البابا يؤمن بتعاليم من قال بقدرته «على هدم الهيكل وبنائه في ثلاثة أيام».
ثلاثة أيام هي الفترة الزمنية لزيارة البابا الذي أودع أمس إرشاده الرسولي، مطلقا مسيحيي لبنان رسلا في الشرق، والإرشاد الثمين ليس النهاية بل نقطة الانطلاق. إنه وديعة بين أيدي الكنيسة والعلمانيين من المسيحيين المشرقيين، وديعة مستقبلهم في هذا الشرق.
طوبى للبابا الآتي باسم السلام، قداسة الحبر الأعظم البابا بنديكتوس السادس عشر «راهب العقيدة» الذي عانق أرض لبنان، هللويا، هللويا، هللويا.