من زهو المشهديّة الجماعيّة إلى الأثر الحضاريّ الفاعل

في زمن الاضطراب الكيانيّ الأشدّ يختبر لبنان ضربين من الحضور الروحيّ والفكريّ الرفيع. في زيارة البابا يوحنّا بولس الثاني تجلّت علامات هذا الحضور في رمزيّة البابا المناضل في سبيل الخروج من الأنظمة الاستبداديّة العالميّة، وفي مقدّمتها النظام الشيوعيّ السوفياتيّ القمعيّ. وكان لبنان في عوز شديد إلى الانعتاق من نظام الاستبداد العربيّ الذي كان يضرب في جميع مفاصله الكيانيّة حتّى أوشك أن يزهق منه الروح. وأمّا في زيارة البابا بندكتوس السادس عشر، فتتجلّى علامات هذا الحضور في رمزيّة البابا المناضل في سبيل تقويم مسرى التشنّجات الدينيّة الكونيّة، وفي مقدّمتها التشنّج اليهوديّ والتشنّج الإسلاميّ وبعض التشنّجات الطارئة في الجماعات المسيحيّة الأصوليّة المتهوّدة في الولايات المتّحدة الأميركيّة. وفي سياق هذا التشنّج تنسلك تحوّلات المجتمعات العربيّة التي تدفع بالناس إلى الاعتصام بالهويّة الدينيّة وإعلاء شأنها وإنزالها في مقام الصدارة التشريعيّة العليا.

ولذلك لا بدّ من التبصّر في أبعاد الحضور البابويّ في لبنان. وهو الوطن الذي ينتمي مجتمعُه إلى ما يُدعى بالعالم الثالث الذي تستقبل مجتمعاتُه بابا الكنيسة الكاثوليكيّة في غير ما تستقبله مجتمعاتُ العالم الغربيّ المتقدّم صناعيًّا حيث التطوّر الديموقراطيّ داخل الأسوار يُعفي البابا من خطاب المقدّمات الديموقراطيّة، وحيث مخاطر الانعزاليّة الفرديّة تجعل مثل هذا الخطاب يذكّر الناس بقيَم الأخوّة والعدالة وبأبعاد الوجود الإنسانيّ الروحيّة. وفيما يعاتب أهلُ الفكر في المجتمعات الغربيّة الكنيسةَ الكاثوليكيّةَ على تشدّدها في بعض القضايا الأخلاقيّة، يُسرّ الناسُ في مجتمعات العالم الثالث بنضال البابا في سبيل كرامة الشخص الإنسانيّ وحرّيّة الفرد وحقوق الإنسان.

ومن ثمّ، كان لحضور البابا في لبنان من المعاني الروحيّة والفكريّة والسياسيّة ما يتخطّى حدود الأرض اللبنانيّة ليصيب العالم العربيّ بأسره، في عمق التمخّض العسير الذي ينتابه في زمن هذه التحوّلات. ومع أنّ التبصّر في طبيعة هذه التحوّلات يختلف باختلاف المقدّمات النظريّة والانتماءات المعرفيّة والأنساق التحليليّة المعتمدة، غير أنّ الأمر الأوضح في هذا كلّه يشير إلى تضجّر الوعي العربيّ الإسلاميّ الشعبيّ من هيمنة الغرب الحضاريّة على الكون، وهيمنة الإرادة الصهيونيّة على الأرض الفلسطينيّة برمّتها، وهيمنة الأنظمة العربيّة الموالية للاستدمار الغربيّ على مصالح الشعوب العربيّة. ومن صميم هذا التضجّر استفاق الوعي العربيّ يطالب بشيء من استعادة الهويّة وإثبات الذات. وأتت الاستفاقة تؤازرها استراتيجيّاتُ الغرب المتواطئة والساعية إلى اقتناص فرص الاستثمار ومضاعفة الهيمنة. وفي خضمّ هذا كلّه لا بدّ من الاعتراف الصريح بأنّ أعدادًا كبيرة من شبّان العرب وشابّاته أطربتهم أناشيدُ الثورة فطفقوا في براءة الطوباويّين يطالبون بالحرّيّة والكرامة والهناء الوجوديّ. بيد أنّ أغلب هؤلاء لا يعلمون أنّ المقولة الفكريّة التي تتصدّر هذه التحوّلات ليست هي الحرّيّة، بل الهوّيّة، وليست هي العَلمانيّة، بل الأصالة الدينيّة، وليست هي التعدّديّة، بل الأنظومة الدينيّة الواحدة تقبض على الاختبار الإيمانيّ في شيء من التسامح وتضبط انتظام المدينة الإنسانيّة العربيّة في شيء من التساهل.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الدوائر الفكريّة في عاصمة الكثلكة العالميّة تدرك إدراكًا بعيد المدى طبيعة الالتباسات التي تعتري هذه التحوّلات العربيّة الخطيرة. فهي تعلم أنّ الأنظمة العربيّة الجديدة التي أقبلت إلى المجتمعات العربيّة هي أفضل من أنظمة الاستبداد المنقرضة، ولو أنّها أنظمةٌ تساير الديموقراطيّة في جوانبها الشكليّة الإجرائيّة ولكنّها تستظلّ الشريعة الإسلاميّة في تدبّرها لأحوال الناس ومعاشهم. وهي تعلم أيضًا أنّ الانتقال المباشر من النظام الاستبداديّ العربيّ إلى نظام ديموقراطيّ كامل الأوصاف هو من الأمور المستعصية. ذلك أنّ المجتمعات العربيّة التي قهرتها هذه الأنظمة العربيّة ما تعوّدت قطّ الاحتكام إلى الوعي الديمقراطيّ الفرديّ والجماعيّ. ولذلك كان لا بدّ من فترة انتقاليّة تعبّر فيها المجتمعات العربيّة عن فرحتها بالبلوغ إلى إثبات ذاتيّتها المغتصبة والاحتكام إلى الشريعة الإسلاميّة. وبما أنّ هذه المجتمعات ما تصوّرت لها حتّى الآن من ذاتيّة غير الذاتيّة الدينيّة في حلّتها القديمة، فإنّ الاعتصام بالشريعة الدينيّة يبدو لها من أقوم السبُل إلى تحقيق ذاتيّتها التاريخيّة والفوز بكرامتها المنتهكة.

بيد أنّ من أخطر الأمور التي يدركها الفكر الكاثوليكيّ الفاتيكانيّ هو أنّ الإسلام العربيّ والعالميّ ما اختبر حتّى الآن صحوته النقديّة الجذريّة، على نحو ما عرفته المسيحيّة في الأزمنة الحديثة والمعاصرة. وقد يكون لمثل هذا التباطؤ أسبابه البنيويّة المتّصلة بطبيعة الدين الإسلاميّ، وأسبابه الثقافيّة المرتبطة بواقع الذهنيّة العربيّة التي احتضنت الرسالة القرآنيّة، وأسبابه الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة المتعلّقة بأحوال المجتمعات الإسلاميّة على وجه العموم، والمجتمعات العربيّة على وجه الخصوص. وليس من المستغرب أن يدرك الفكر الكاثوليكيّ، وهو الخاضع أيضًا لتحوّلات عميقة في بنيته، أنّ مثل هذه الصحوة الدينيّة النقديّة الجذريّة هي وحدها الخليقة بنهضة المجتمعات الإسلاميّة والعربيّة.

واستنادًا إلى هذه الخلفيّة الفكريّة والجيوسياسيّة تتبلور رؤية الفكر الكاثوليكيّ الفاتيكانيّ إلى واقع المسيحيّين في لبنان وفي سائر الأوطان العربيّة. وبما أنّ الزيارة البابويّة تختتم أعمال المجمع الكاثوليكيّ للشرق الأوسط، فإنّ معانيها تسري إلى تضاعيف المعاناة التي تصيب جميع الأوطان العربيّة بإنسانها العربيّ المعذّب المقهور. وهو واحدٌ في بؤسه، سواءٌ انتمى إلى الإسلام المنتفض بفائض قوّته أو إلى المسيحيّة المرتبكة بتضاؤلها وضمورها أو إلى العَلمانيّة المضطهدة تغرّد من على شبكات التواصل الاجتماعيّ تغريدات المثاليّة الطوباويّة. واليقين في هذا كلّه أنّ الوعي الحضاريّ الكونيّ يقتضي صونَ الإنسان العربيّ من دمويّة الصراع الناشب بين أنظمة استبداديّة مدبِرة وأنظمة دينيّة مقبِلة. وعندما يُصان هذا الإنسان العربيّ تُصان المجموعات العرقيّة والدينيّة والثقافيّة المنتمية إلى أوطان العالم العربيّ.

وعليه، فالمسيحيّون ما انفكّوا يسائلون النفس عن أفعل السبُل لإثمار هذا الحضور البابويّ في لبنان وفي سائر الأوطان العربيّة. وهم يعلمون أنّ بقاءهم بقاء الاستمرار والخصوبة الفكريّة والروحيّة والسياسيّة لا يتهيّأ لهم بمجرّد الابتهاج بمثل هذا الحدث الجليل. فالشعوب تبقى وتصمد وتنمو وتزدهر بفضل ضروب أربعة من العوامل. أوّلها الضمانة السياسيّة، وثانيها الأمن الاقتصاديّ، وثالثها الأثر الفكريّ، ورابعها الشهادة الروحيّة. أمّا المشهديّة الاحتفاليّة التي تحشد مئات الآلاف، فأثرها الإيجابيّ الآنيّ يزول بزوال الصورة العينيّة وارفضاض الجموع واندثار عواطف التفوّر والحميّا التي تنبثق من اختبار عنفوان الوصال بين الناس والتشارك في الهويّة الواحدة والمصير الواحد.

ولا غرابة، من ثمّ، أن ينعقد التفكّر على العوامل الأربعة هذه. وهي على مرتبتين. العامل الأوّل والعامل الثاني ينزلان منزلة الفعل التاريخيّ المنظور، فيما العامل الثالث والعامل الرابع ينتسبان إلى مرتبة الفعل الحضاريّ الخفر المنحجب. وفي صريح العبارة، ينبغي الإقرار بأنّ عامل الضمانة السياسيّة وعامل الأمن الاقتصاديّ هما العاملان الأساسيّان اللذان يكفلان للمسيحيّين الاستمرار والنموّ والازدهار. وهما عاملان متصاحبان متلازمان متضايفان. وإذا ما نظر المرء في حقيقة هذين العاملَين في سياق المجتمع اللبنانيّ على سبيل المثال، تبيّن له أنّ لبنان، في خضمّ التحوّلات العربيّة الطارئة، لا يملك حتّى الآن أن يصوّن نفسه بنظام علمانيّ ديمقراطيّ منيع. فنظامه السياسيّ الحاليّ هو في حالة الغيبوبة والاحتضار. وما من جرأة سياسيّة طليعيّة تقوى على تجاوز الآثار الطائفيّة والمذهبيّة التي خلّفتها الحرب اللبنانيّة والتي تخلّفها اليوم المعنفة العربيّة الدمويّة.

وفي عبارة أشدّ صراحة، ينبغي اليوم الاعتراف بأنّ فائض القوّة الذي يختبره المسلمون في لبنان، من شيعة وسنّة، لن يأتي بنظام سياسيّ لبنانيّ خليق بالدعوة المثاليّة التي يظنّ كثيرون أنّ لبنان منعقدٌ كيانه عليها من طبيعة تكوّنه المتعدّد. وطالما أنّ أهل الإسلام في لبنان باتوا يُعرضون عن حكمة الإسلام اللبنانيّ التي تعاقبت على إنضاجها أجيالٌ من الرجال والنساء اللبنانيّين المسلمين، من نخبة القوم ومن بسطائه الطيّبين، فيؤثِرون عليها إسلامًا متشنّجًا غريبًا عن طبيعة الاجتماع اللبنانيّ، فإنّ فائض القوّة هذه، في تفوّراته الديمغرافيّة والعسكريّة والاقتصاديّة، سيجرّ الويلات على الوطن العطـيب. وطالما أنّ أهل الإسلام في لبنان، وقد تفاقمت أخـطار إعراضهم هذا، طفقوا يحاربون العَلمانيّة الهنيّة التي ينـادي بها أهلُ التبصّر والحكمة صونًا للحرّيّة اللبنانيّة الفرديّة وصونًا للهويّة الإيمانيّة اللبنانيّة المتنوّعة الاختبارات، فإنّ انزلاق المجتمع اللبنانيّ نحو التعصّب والاحتراب أمسى وشيكًا ينذر بأوخم العواقب. وطالما أنّ أهل الإسلام في لبنان، وقد اشتدّت محاربتهم الإيديولوجيّة لمثل هذه العَلمانيّة الهنيّة، يعتبرون أنّ المسيحيّين، بسبب من إخفاقهم في إدارة لبنان قبل الطائف وبسبب من تضاؤل أعدادهم، ينبغي لهم أن يتّضعوا ويَقبلوا برعاية المسلمين لهم في الأرض اللبنانيّة التي ارتبطت كينونتُهم بكينونتها ارتباطًا طوباويًّا، فإنّ المعنفة اللبنانيّة المقبــلة بين الـسنّة والشيعة ستدمّر الوطن اللبنانيّ وتحرم المسيحيّين فيه من رجاء النهوض الكيانيّ والترميم الوجوديّ والاستثمار الفكريّ الفاعل. ويخطئ المسيحيّون خطيئةً مميتةً إنْ ظنّ فاقدو اللبّ من بينهم أنّ في تقاتل السنّة والشيعة خلاصًا لهم.

هذا كلّه يدركه الناس المستنيرون في لبنان من جميع الطوائف والملل، وتعرفه دوائر الفكر الكاثوليكيّ الفاتيكانيّ. وجميعنا يعلم علم اليقين أنّ عامل الضمانة السياسيّة يقتضي أن يتحوّل لبنان إلى مجتمع تعدّديّ تشاركيّ يخضع لشرعة حقوق الإنسان في جميع مواثيقها وتوسّعاتها. فيُفرد للحيّز العام منزلةَ الحياديّة الإداريّة التي تنادي بها العَلمانيّة الهنيّة ويصون للمذاهب الدينيّة فسحتها الخاصّة للتعبير عن إيمانها في إعراض صريح عن مغالبة القطاع السياسيّ والتشريعيّ والقضائيّ والاقتصاديّ والثقافيّ والإداريّ. وللبلوغ إلى مثل هذا النضج السياسيّ، ينبغي للمسلمين في لبنان أن يعرضوا عن ضرب خيام الإسلام في أرض المحايدة المدنيّة المحضة. ويجب عليهم خصوصًا أن يتجاوزوا بحسّهم اللبنانيّ غضبة الإسلام السياسيّ العربيّ والعالميّ فيستعيدوا حكمة الإسلام اللبنانيّ التي عتّقتها اختباراتُ المعايشة الصادقة.

ولكم يسرّني، أنا العلمانيّ البائح بعلمانيّتي الهنيّة، أن أصغي إلى نداءات أهل الحكمة المسلمين في لبنان يناشدون أهل السنّة والشيعة الابتهاج بعودة المسيحيّين العَلمانيّين إلى مقام «حُكْم الحَكَم» في إدارة التنوّع اللبنانيّ. واليـقين المشترك أنّ أغلب المسيحيّين في لبنان، بمعزل عن أنانــيّات أحزابهم المتهالكة على السلطة، قد طهّرتهم الحرب اللبنانيّة من خطايا الاستئثار وأشعرهم إحباطُ ما بعد الحرب بانعطاب وجودهم التاريخيّ. فأضحوا هم الأولى اليوم بإدارة «حُكْم الحَكَم» في لبنان لأسباب شتّى. أوّلها أنّهم، وحالهم هذه، الأقرب فكريًّا من مرتبة الاعتراف بإيجابيّات العَلمانيّة الهنيّة. وثانيها أنّهم لا يملكون عضدًا سياسيًّا وعسكريًّا خارجيًّا يواطئونه على مغالبة شركائهم في الوطن. وثالثها أنّ انعطابهم التاريخيّ الديمغرافيّ والسياسيّ هو الضمانة التي ينبغي أن تدفع بالسنّة والشيعة إلى الأمان والوثوق بالأخ الأضعف والأحرص على ديمومة الاختبار اللبنانيّ. ولذلك تجتمع ضمّةٌ من الأسباب البنيويّة والتاريخيّة التي تناصر مبدأ تولّي المسيحيّين مقام «حُكْم الحَكَم» في إدارة التنوّع اللبنانيّ.

تلك هي، لعمري، خلاصة المعنى الذي تنطوي عليها عبارة الضمانة السياسيّة. فكلّ ما دون هذه الضمانة لا يملك أن يصوّب مسرى الخيبة المسيحيّة في لبنان. والخيبة خيبتان : خيبة المسيحيّين من أنفسهم ومن مفاسد معظم أحزابهم المسيحيّة القصيرة النظر، وخيبة المسيحيّين من اندثار حكمة الإسلام اللبنانيّ ومن مظالم الشرق العربيّ المستبدّ ومن مواطأة الغرب للعدوان الصهيونيّ في فلسطين وما خلّفه من تدمير للصيغة اللبنانيّة الهشّة. أمّا عامل الأثر الفكريّ وعامل الشهادة الروحيّة، فتصيبهما حتميّة الدوران التاريخيّ الذي يقضي قضاءً مبرمًا على قومٍ ما تسنّى لهم أن يعاينوا ثمار خصوبتهم الفكريّة وصدقيّتهم الروحيـّة من بعد أن تلاشت أعدادهم وغلبهم الاقتدار الديموغرافيّ والعسكريّ المحدق بمصيرهم. ولذلك كان التنازع على لبنان في الزمن الراهن ينشط بين حدّين : إمّا العَلمانيّة الهنيّة على الفور، وهذا من أعسر المنالات، وإمّا العَلمانيّة الهنيّة تأتي إلينا من تولّي المسيحيّين المستنيرين «حُكْم الحَكَم» في لبنان حتّى ينقاد طوعًا إلى مثل هذه العَلمانيّة. وما عدا ذلك، فاحترابٌ طائفيٌّ وتقاتلٌ مذهبيٌّ وانحطاطٌ إداريٌّ وانحلالٌ كيانيٌّ.

ولا عجب، من ثمّ، أن يتنادى أهل الحكمة في لبنان للترحيب بالحضور البابويّ علّه ينتقل باللبنانيّين كافّة من مستوى الاندهاش بالمشهديّة الاحتفاليّة إلى مستوى التبصّر في طبيعة الدعوة الحضاريّة التي ينعقد عليها الوطن اللبنانيّ. وإذا ما انضاف إلى هذا الأثر الحضاريّ للزيارة البابويّة الإسهام في إنضاج الشهادة الروحيّة التي يؤدّيها المسيحيّون في مسلكهم الإيمانيّ، تهيّأ للبنان أن يقتطف ثمار هذا الحدث الجليل. ولبنان هو الوطن الذي ميّزته الأقدار السياسيّة من سائر الأوطان العربيّة، فوضعت فيه أهلَ المسيحيّة وأهلَ الإسلام، وهم من طبيعة تديّنهم على تطلّب شديد للتفوّق وادّعاء الأحقّيّة الماورائيّة، وضعتهم في امتحان المساواة في الحقوق الإنسانيّة والاجتماعيّة والسياسيّة. وهي مساواةٌ ما تهيّأ للمجتمعات الإنسانيّة أن تختبرها في خارج دائرة الاعتناق الصريح لشرعة حقوق الإنسان العالميّة. ويعلم جميع الناس أنّ أصل الأصول في هذه الشرعة صونُ حرّيّة الإنسان الفرد في الإفصاح عن معتقده والانتصار له وفي الاشتراك الفعليّ الحاسم في إدارة شؤون المدينة الإنسانيّة المتنوّعة المذاهب والمشارب. وليس للوطن اللبنانيّ من معنى إنْ هو تغاضى عن هذه الحرّيّة، وحجّته في ذلك أنّ الحقيقة الدينيّة أو الحقيقة القوميّة أو الحقيقة السياسيّة القاهرة تستدعي انضواء الفرد في أنظومة الدين أو الإيديولوجيا أو الصراع الكوني بين الخير والشرّ.

المصدر:
النهار

خبر عاجل