كلّنا حبر في حقل الخراف والنعاج والكباش، وما قدومك إلينا إلّا لتقول لنا إنّ الراعي لن يُضرب، والخراف لن تتبدّد، وطوبى لمن كان الرجاء خبزَه اليوميّ، والإيمان ماءه الحيّ، والمحبّة هواءه المنعش.
ويقيني أنّ الشرق المدعوّ ليُصغي إليك هو عارفٌ برؤسائه وزعمائه وأحباره من كلّ الطوائف، ما وَرد في سينودس الشرق الأوسط، وإن لم يتسلّموه بعد. فهل ثمّة من يجهل ليسأل "ما العدالة والحرية والأرض والحوار والاتفاق والسلام والمسؤولية المدنية والدينية؟" وهل من إنسان يسأل ما قيمة الإنسان؟ ما هي كرامة الشخص البشريّ؟ ما هي الحقوق والواجبات؟ ما معنى أنّ الإنسان قيمة؟
وهل يُعقل أن نكون في هذا الشرق بحاجة إلى إعادة تأهيل، فندرس، وبتنشئة جديدة، علم التربية والدين والأخلاق والسياسة والاجتماع، ليتسنّى لنا أن نحيا لا أن نعيش أحراراً وبمناقبيّة يُغبَط لها ويُحسد.
الكلّ ينتظرك، الشيعة والسنّة والدروز والكاثوليك والأورثوذكس والبروتستانت، وكلّ ما تبقّى من الطوائف والمذاهب في رحم وطننا الصغير لبنان.
وعلى رغم هذا كلّه سوف تأتي، مع تعب سنيك ووهن جسدك وهموم الشرق ومأساة العالم سوف تأتي، مع الخوف والقلق والرفض والقبول، والأوضاع والزمن، والاضطرابات والفوضى سوف تأتي، لا لتعلّمنا ما لا نعلم وتعرّفنا إلى ما نجهل، بل لتذكّرنا بما نعلم وتذكّرنا بما نسيناه وتناسيناه أن ليس في قاموس اللاهوت المسيحيّ كلمة أقلية وأكثرية، ضعفاء وأقوياء، فحو لا يحتوي من بدايته إلى نهايته إلّا على حبّة الخردل التي هي أصغر الحبوب وقد صارت شجرة كبيرة تفيء إليها العصافير من كلّ أقطار العالم.
نحن حبّة الخردل، والبقيّة الباقية، وقد زرعَتنا في الشرق يدٌ إلهيّة، ولا تقتلعنا إلّا اليد التي زرعت وأينعت وأثمرت في التربة الصالحة والفاسدة، وما زرعت هذه اليد لتقتلع، وإنّنا باقون ببقاء الدعوة للتعليم والتقديس والتدبير.
ليس في قاموس اللاهوت المسيحيّ أنّ قرع أجراس الكنائس هو الذي يجمع الصف المسيحي، كذلك الدهاء السياسيّ وتوازن القوى هي التي توحّد المسار، إنّما حناجر المبشّرين ليل نهار باللوغوس الإلهي الذي قال: "سيكون لكم في العالم ضيق، ثقوا أنا قد غلبت العالم". ثمّ عاد فختم رسالته بقوله: "ها أنا باقٍ معكم طول الأيام حتى انقضاء الدهر".
وليس في قاموس اللاهوت المسيحي كلمة "انقسام"، بل وحدانيّة جوهريّة متماسكة تجلّت في الثالوث الإلهيّ وظهرت في شخص عمّانوئيل إلهنا معنا، كنيسة متماسكة، متضامنة، موحّدة بأحبارها وعلمانيّيها في شتّى القطاعات والميادين، ووصيّة عمّانوئيل لنا وصيّة تحذيرية: "إنّ كلّ بيتٍ ينقسمُ على نفسه يخرب".
كذلك ليس في قاموس اللاهوت المسيحيّ تفرّد ومصلحة وانعزالية شخصية وحرية غير مسؤولة، إنّما الشخص للجماعة والجماعة للشخص، كتناسق الأعضاء وتناغمها في جسد بشريّ واحد، فإن غاب عضوٌ أو قُطع، غاب جزءٌ من جمال الجسد ونَقُص بعدٌ من كماله.
نعم، سوف تأتي وتعود بعد زيارتك المستعجلة وترحيبنا القصير، وخوفي أن تخرج من لبنان خروج بولس من محفل الأريوباغس في أثينا، وخروج يسوع من الهيكل في أورشليم من دون أن يلتفت وراءه إلى أن صار خرابا.
لذلك لا أخاف عليك في لبنان بقَدر ما أخاف عليك وأنت على كرسيّك في الفاتيكان ترقُب بصبر وتنتظر بشوق مصير المسيحيين وغير المسيحيين، تحصي الأيام والشهور والسنين، فتُبصر السينودس من أجل الشرق الأوسط قد صُلبَ معلّقاً على خشبة كما أُعدِمَ السينودس من أجل لبنان رمياً بالرصاص في زمن الطوباويّ البابا يوحنّا بولس الثاني، وكما شهدت أنا أيضاً اغتيال المجمع البطريركي المارونيّ وإجهاض المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.
نعم، هكذا أخاف عليك، ولئن حقّقت وزنتَك وكنت أميناً على الكثير، فجاهدت الجهادَ الحسن وأتممت شوطَك، فالحسرة التي واكبت حياتك من أجل المسيحيين في الشرق هي ذاتها التي رافقت معلّمك في بستان الزيتون، إلى أن حدثت القيامة.
إنّ رغبتي في أن أكون على خطأ، لأشدّ من رغبة الحامل لرؤية وليدها، وكلّنا يعلم أن التشاؤم آنيّ لأنّه واقع وجوديّ ولا يرحل إلّا برحيل هذا الواقع المرير. ومع انتظار تبدّد هذه الحالة الضبابية، إنّي أسمعك أيها الحبر الأكبر وقبل أن تحطّ طائرتك الخاصة في مطار لبنان، تنشد في حنايا قلبك ما قاله الشاعر خليل حاوي:
"يعبرون الجسر في الصبح خِفافاً أضلعي امتدّت لهم جسراً وطيد من كهوف الشرق من مستنقع الشرق إلى الشرق الجديد".