أدرك قداسته أن شعب لبنان يحبّه.
وانه أودعه سلامه.
وان اللبنانيين احتضنوه.
خاطبهم، لدى وصوله الى بيروت: سلامي أعطيكم.
والتوازن اللبناني في نظره له معادلة: الحوار، الشراكة، والشهادة.
سلام، الحبر الأعظم قوامه المصالحة.
والمصالحة عنوان للشرق الأوسط.
وللشرق خصوصيّة الحوار والمسامحة والانفتاح.
كان وصول البابا الحدث الأهم.
أرادت الصهيونية العالمية، أن تفسد زيارة البابا للبنان.
لكن العمل الاسرائيلي المشين، أضرم غضباً، في نفوس الناس، إلاّ أن فيلم براءة المسلمين كشف أبعاد المؤامرة، لكنه أفقد أصحابه فرصة تشويه الرسالة الانسانية، التي تصدّت، ولا تزال للمؤامرة الخبيثة.
البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، خصّص للبنان ارشاده الرسولي الأول.
والبابا الحالي أتى الى وطن الحريات، بما يُكمل رسالة سلفه.
انه يدرك ان الشرق الأوسط، يواجه امتحان الربيع العربي الجديد.
ويؤمن بالله ايمانه أيضا بأهمية الحريات، في بلدان عاشت سنوات في ظلال الديكتاتوريات.
وهذه الشعوب ليس ميسوراً لها، أن تتذوّق طعم الحرية، وتستطعم نكهة الديمقراطية.
وهذا ما واجهته تونس.
وما تواجهه الجماهيرية الليبية.
وما تمرّ به جمهورية مصر العربية.
وتضع الآن تحت أوزار سوريا، الغارقة في حرب دامية، لا أحد يمكنه أن يتكهّن بموعد نهايتها، ولا أي مصير سيرسو الصراع بين السلطة والمعارضين لها.
واقتحام القنصلية الأميركية في بنغازي، هو من تداعيات التدخّل الخارجي في البلاد التي حكمها معمر القذافي، طوال ثلاثة عقود، وحجب عنها الحرية والحياة السياسية.
وردود الفعل على المؤامرة الصهيونية، في فيلم براءة المسلمين، يصعب تطويقها بسهولة.
ولهذا دعا البابا بنديكتوس السادس عشر الى عدم التسرع في الحكم على ما جرى ويجري.
كان لقاء قداسة الحبر الأعظم، مع الشباب في بازليك حريصا رحلة هامة في عقل الشبيبة.
كان روجيه غارودي يقول، بعد اعتناقه الاسلام، إن للشعوب الناهضة بمبادئ جديدة، خصوصية التروي بين التسرع والحذاقة، وفي أحيان كثيرة، فإن حرية الانسان تبرر كثيراً جنوحه نحو ما لم يكن يريد الجنوح اليه.
ورياح الغضب الجامحة، دقيقة، وقداسة الحبر الأعظم، أظهر في أحاديثه ادراكاً كبيراً لما هو جاثم في العقول، ولذلك، فقد قابل بمحبة ووداعة، كل ما صادفه في طريقه بعميق من محبته التي أهداها الى اللبنانيين بقوله: سلامي أعطيكم اياه.
واللبنانيون رحبوا بعطاءاته.
كان سعيد عقل يكرر دائماً، فرح العطاء لا يعادله فرح آخر في الدنيا.
كان صاحب القداسة يختصر عباراته، وهو يتحدث عن أفكاره والتطلعات:
كلنا ضد العنف.
وجميعنا مع المحبة.
والتسامح والحرية والسلام، هي مبادئ نريدها للجميع.
هل ثمة دعوة الى الشراكة أكثر فعلاً في النفوس، الا تزامنها مع المحبة والايمان.