في الطائرة التي أقلته الى لبنان، كان للبابا بينيديكتوس السادس عشر حديث مع الصحافيين الذين رافقوه خلال الرحلة. وكان لافتا جدا ما قاله عن الواقع العربي حيث انه لم يتردد في استخدام تعبير "الربيع العربي" لوصف ما يحدث على كل المساحة العربية منذ ثورة تونس وصولا الى الثورة في سوريا.
قال البابا عما سماه "الربيع العربي": انها صرخة حرية صادرة عن شباب متقدم اكثر ثقافيا ومهنيا ويرغب في المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية". ثم اردف: "ان الربيع العربي امر ايجابي جدا وكان موضع ترحيب منا نحن المسيحيين".
بهذا الموقف الذي سبق وصول بينيديكتوس السادس عشر الى المشرق العربي كسر البابا خطابا يردده احبار كبار في بعض الكنائس المشرقية منذ ان انفجرت ثورة في سوريا، حيث ينشرون الخوف والهلع في صفوف مسيحيي الشرق، وتحديدا في لبنان وسوريا، معتبرين بشكل غير مباشر عبر مواقفهم ان الثورات العربية ولا سيما منها الاخيرة في سوريا سوف تأتي بالمتطرفين الى الحكم، وان المسيحيين سيدفعون الثمن. نحن ندرك ان مواقف بعض الاحبار صادقة في التعبير عن الخوف من التغيير، ولكن مواقف البعض الآخر لا يمكن تفسيره إلا بالاصطفاف مع الدكتاتوريات الدموية عبر الايحاء ان نظاما مجرما كنظام حافظ وبشار الاسد هو الذي يحافظ على الوجود المسيحي في هذا الشرق! هؤلاء يغامرون بمحاولة ربط مصير مسيحيي الشرق بقتلة الاطفال، وبخطابه هذا انما يدعونهم الى التورط في محاربة موجة التغيير الكبرى التي لن يقف بوجهها سلاح النظام في سوريا ومعه ايران وروسيا، ولا موقف مسيحي قائم على تضليل البعض للجمهور لاغراض نتمنى لو انها لم تدخل حساباتهم في قضايا تاريخية بخطورة الربيع العربي الذي نعيشه راهنا.
نحن نفهم ان يكون موقف بعض السياسيين المسيحيين في لبنان مؤيدا لبشار بالنظر الى المصالح التي تربطهم به. هذا ليس بالامر المهم. لكن للكنيسة، أو قل للكنائس موقعاً آخر له بعده التاريخي، مما يمنع على اركانه الحاليين، مهما كانت دوافعهم الشخصية، ان ينخرطوا في حملة معلنة وغير معلنة ضد الربيع العربي، ولا سيما ضد الثورة السورية. ان اشاعة مشاعر الخوف في الاوساط الشعبية المسيحية جراء "الربيع العربي" ليست بريئة. انها حملة تهدف الى خدمة قتلة الاطفال في سوريا، وتأتي في سياق تحالف غير معلن مع هؤلاء. وهي ان ادت الى شيء فإنها لن تؤدي الى تحصين الوضع المسيحي في سوريا او لبنان بل انها ستدفع بالجمهور المعني الى التقوقع والانكفاء، وفي النهاية الى الرحيل عن مشرق كانوا في اساسه على مدى الفي عام.
يقول البابا: "نعلم ان صرخة حرية بهذه الاهمية الايجابية تواجه مخاطر لجهة ان تغفل شقا جوهريا من الحرية وهو التسامح مع الآخر". وهذا صحيح، وبهذا المعنى يتعين على مسلمي المشرق، الا يرتكبوا خطيئة تاريخية، من شأنها لو حصلت ان تجعله على صورة جلاديهم امثال القذافي وبشار الاسد… في النهاية: تحية الى بابا "الربيع العربي"!