#dfp #adsense

كلمات البابا تحديث للارشاد مع متغيرات المنطقة… أسئلة اقليمية ولبنانية عن مرحلة ما بعد الزيارة

حجم الخط

أكتسب الكلام الذي اعلنه البابا بينيديكتوس السادس عشر في طريقه الى بيروت وكل الكلام الذي قاله خارج مضمون الارشاد الرسولي اهمية مضاعفة لا تقل عن المحاور ذات المضمون السياسي التي أوردها الارشاد والمتصلة بالحريات، وفي مقدمها الحرية الدينية والهجرة ونبذ العنف والتطرف. فتبني الكنيسة "الربيع العربي" على انها "صرخة حرية صادرة من شباب متقدم يرغب في المشاركة السياسية، وهو أمر ايجابي، وان مشروطاً بالتسامح والحوار واحترام الاخر" ودعوة المسيحيين الى عدم الخوف والبقاء وفق ما دعا اليه البابا هي بمثابة عملية "تحديث" لمبادىء الكنيسة ومواقفها على وقع التطورات التي نشأت بعد وضع الارشاد الرسولي نهاية العام 2010. كما هي مواكبة لهذه التطورات مما يجعل كلام البابا على تماس كامل وحار معها وليس كلاماً مبدئياً او نظرياً بعيداً عن امكان التطبيق او بعيدا من التفاعل الفعلي مع ما هي عليه الامور على الارض.

وليس سهلاً ان يحمل البابا بينيديكتوس السادس عشر ثقل اعوامه الـ85 منتقلاً الى لبنان لثلاثة ايام من اجل طمأنة مسيحييه ومسيحيي المنطقة الى عدم الخوف والبقاء حيث نشأوا وساهموا في بناء الاوطان بعد زيارة مماثلة لسلفه البابا يوحنا بولس الثاني قبل 15 عاماً في رسالة مماثلة تركزت على مسيحيي لبنان مع فارق مهم بين الزيارتين يتمثل في الغليان الذي تشهده المنطقة وتقف فيها على مرحلة مفصلية تاريخية وخطيرة. فالوضع المسيحي في المنطقة يلقي على الفاتيكان مهمة صعبة في الحفاظ على البقية الباقية من الوجود المسيحي بعد تطورات كبيرة طرأت على هذا الصعيد. أبرز هذه التطورات هو تعرض الوجود المسيحي في فلسطين المحتلة والعراق الى خطر حقيقي بحيث كاد يندثر فيهما ومقاربة الوضع المسيحي في سوريا من حيث خطورة ما يحصل هناك احتمالات مشابهة تحت وطأة تهديدات وضغوط نفسية ومعنوية وعملية. والتطور الآخر وهو قديم نسبياً هو انحسار قدرات الدول الاوروبية التي كانت تتدخل قبل عقود بعد تحولها الى دول علمانية سياسية وابتعادها عن التدخل، تحت شعار المحافظة على جماعات او طوائف معينة باسم الدين، خشية استنفار عصبيات طائفية وسياسية على حد سواء ووجود مصالح لهذه الدول مع الدول الاسلامية مختلفة كثيراً عما كان عليه الوضع قبل عقود طويلة، الاّ ان الاسئلة الكثيرة التي تثيرها الزيارة هي عن مرحلة ما بعدها وما يحمله الغد. فهل يكون اللبنانيون والمسيحيون منهم تحديدا على مستوى التحدي في ترجمة مفاعيل هذه الزيارة؟ وما هو مدى فاعلية مضمونها، وكذلك مضمون الارشاد الرسولي معنوياً في التداعيات المباشرة لما بعد الزيارة، ولاحقاً كم يمكن ان يصمد هذا المضمون الذي اراده البابا "خريطة طريق للسنوات المقبلة"، قبل ان يضطر الفاتيكان الى تنظيم زيارة اخرى للبابا للبنان ايضاً او للمنطقة، تصب في الاطار نفسه. وهل يعمل المسيحيون بهذا المضمون ام يعود القادة السياسيون الى اثارة مخاوفهم على وجودهم من خلال محاولة توظيف مضمون زيارة البابا، وكذلك مضمون الارشاد الرسولي في خانة ما يعلنونه من مواقف سياسية، كما يفعل البعض في تخويف المسيحيين من ان بقاءهم او بقاء لبنان مرتبط باستمرار نظام معين؟ فهل يكون كلام البابا اكثر فاعلية لجهة الدعوة الى عدم الخوف وبقاء المسيحيين في اوطانهم ام تنجح محاولات تخويفهم وفقاً للتطورات على الارض وتداعياتها السياسية؟ وكيف ستتلقف الطوائف المسيحية في سوريا باعتبارها احد أبرز الدول المعنية بالارشاد الرسولي الحالي وبزيارة البابا للبنان كل نتائجها، وكذلك الامر بالنسبة الى الطوائف الاخرى في سوريا في شكل خاص؟

ثمة اسئلة اخرى أثارتها الزيارة ومضمونها الموجه الى لبنان وعبره الى منطقة الشرق الاوسط ودولها، في مقدمها اذا كانت حكومات هذه الدول وهي حكومات اسلامية ستتفاعل مع مضمون ما جاء في الارشاد الرسولي المتعلق بمسيحيي الشرق. اذ هل يستطيع لبنان ان يؤثر ايجاباً في دول المنطقة في ضوء ايجابيات يظهرها المسؤولون الروحيون والمدنيون في الطوائف الاسلامية السنية والشيعية فيه ازاء التعامل على قاعدة الندية والمساواة والحوار مع الطوائف المسيحية؟ فالوحدة التي عكسها الاستقبال اللبناني السياسي والروحي المسيحي والاسلامي للبابا في المطار، ولاحقاً في قصر بعبدا يفترض ان ينقل صورة مختلفة نموذجية لما يجب ان تكون عليه الامور في دول المنطقة، علماً ان لبنان ليس جديداً على هذا الصعيد، خصوصا بعد العام 2005 وانتقال الاصطفاف الطائفي ما قبل الحرب الى اصطفاف بطابع سياسي اكثر منه طائفي. لكن في المقابل فان الاسئلة المقلقة يثيرها صدى ردود الفعل والاحتجاجات التي عمت عواصم عدة في العالم العربي وبعض لبنان ومن بينها الاحداث التي وقعت في طرابلس وبعض المدن اللبنانية الاخرى، تزامناً مع زيارة البابا ومن دون الاخذ في الاعتبار رمزية الزيارة ومغزاها احتجاجاً على الفيلم المسيء الى الاسلام. وبصرف النظر عن ارتباط هذه الاحداث بالزيارة او عدمه علماً ان بعض المصادر يميل الى ربطها بالزيارة ايضاً، فان الأخطر في ما تمثل فيها ان لبنان صار اكثر تأثراً بما يجري في المنطقة من تأثيره فيها على هذا الصعيد. اذ ان هذه الاحداث انطلقت بعد صلاة الجمعة ولم يكد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يعلن في بيان صادر عن مكتبه على أثر استقباله السفيرة الاميركية في لبنان مورا كونيللي، موقفاً مديناً لما حصل في ليبيا من اعتداء على القنصلية الاميركية، معتبراً "انه لا يمكن بأي شكل من الاشكال تحميل الشعب الاميركي مسؤولية عمل فردي اساء الى صورة الرسول ويخفي وراءه مقاصد وغايات مشبوهة يجدر التنبه من انعكاساتها السلبية"، مضيفاً "ان الغضب الذي اثاره عرض الفيلم يجب ان يبقى في اطار سلمي وحضاري لا ان يجنح الى ردود فعل مأسوية"، حتى انطلقت في مدينته بالذات احداث معاكسة لهذا الكلام وتستهين به كلياً. ذلك علماً ان نقض ما اعلنه ميقاتي ينسبه البعض الى حساسية من ضمن الطائفة السنية نفسها على خلفية التطورات المأسوية في سوريا على رغم اعتماده مواقف متقدمة نسبيا في الاونة الاخيرة جنباً الى جنب مع رئيس الجمهورية، خصوصاً بعد توقيف الوزيرالسابق ميشال سماحه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل