#dfp #adsense

كومة فيلتمان ولارسن

حجم الخط

منذ أن خرج الرئيس نجيب ميقاتي عن صمته متعهّداً الاستمرار بحكومته ذات السبعة أرواح حتى الانتخابات النيابية، والتفسيرات تتوالى حول توقيت هذا الكلام، والأهمّ حول سرّ نغمة القوّة والتماسك، التي لم تكن موجودة حتى الأمس القريب في مواقف ميقاتي وكواليسه، إلى درجة كاد فيها رئيس الحكومة أن يلوّح بالاستقالة مرّات عدة.

ويبقى السؤال، هل شربت حكومة ميقاتي حليب السباع، فقط للسبب المعروف من الجميع، والذي بات يتلخص في أنّ المكوّن الرئيسي والمقرر في الائتلاف الحكومي الهش أي "حزب الله"، يضع خطاً أحمر أمام استقالة الحكومة ورئيسها، ليس فقط لعدم وجود الخيار البديل عن هذه الحكومة، بل لمواكبة تداعيات اهتزاز النظام السوري بأقل الخسائر الممكنة لبنانياً، أم أنّ دعماً آخر دوليّاً وأميركيّاً على وجه التحديد، يعطي هذه الحكومة المصل اللازم للاستمرار، حتى ولو بقيت على سرير المرض حتى الانتخابات النيابية.

المقصود بهذا الطرف الداعم على وجه التحديد، عرّاب قوى 14 آذار السابق السفير جيفري فيلتمان، الذي بدا ومنذ إسقاط حكومة الحريري، أنه تحول إلى لعب دور الحاضنة للرئيس ميقاتي شخصياً، ولكن وفق خريطة طريق، لا يرفع فيها الكارت الأحمر، إلا إذا أخفق ميقاتي في تمرير ما يريده المجتمع الدولي من حكومته، والمتعلق بالالتزامات المرتبطة بتمويل المحكمة، وبالضبط النسبي للاستقرار، حتى تقطيع المرحلة الصعبة في المنطقة.

وقد لمس الجميع في بيروت خلال الزيارة الأخيرة لفيلتمان هذا الدور الحاضن، الذي لم يجهد الديبلوماسي الاميركي في إخفائه، عبر قوله لمن طالبه من قوى 14 آذار بضرورة إسقاط الحكومة: "أنّ سياستنا تجاه الرئيس ميقاتي هي أن نربّت على كتفه إذا أحسن العمل وأن ننكزه بلطف للتنبيه، إذا لم يحسن". هذا يعني أنّ رئيس الحكومة يحظى برضى أميركي لا شك فيه، وقد زاد منسوب هذا الرضى بعد نجاحه، في تمويل المحكمة، وبعد تراجعه عن توقيع سلسلة اتفاقات مع إيران بضغط أميركي، مثبتاً للإدارة الأميركية أنه مستعدّ دائماً لأن يكون عند حسن الظن.

الرجل الثاني الذي يلعب دور الحاضنة لرئيس الحكومة، هو المكلف من الأمين العام للأمم المتحدة بمواكبة تطبيق القرار 1559 تيري رود لارسن، الذي يكرهه "حزب الله" كرهاً شديداً، ويشنّ عليه الحملات قبل إصدار تقريره الدوري حول تطبيق القرار 1559 وبعده. ومن المفارقة أنّ بعض قوى الثامن من آذار لا تتكلم عن علاقة لارسن القوية برئيس الحكومة إلّا في الغرف المغلقة، وعن عمق هذه العلاقة التي وصلت إلى حدّ أن يضع ميقاتي طائرته الخاصة بتصرف لارسن في أكثر من جولة سياسية قام بها. (لعب بعض أصدقاء ميقاتي الدوليين دوراً في إفشال مسعى سعد الحريري لإطلاق المخطوفين اللبنانيين في سوريا).

للرئيس نجيب ميقاتي علاقة عضوية بمجموعة الأزمات الدولية، هذه المجموعة التي يعمل فيها ألمع المفكّرين والمخططين والباحثين في العالم، والتي تضمّ باحثين أميركيين عسكريين وديبلوماسيين سبق لهم أن عملوا في الإدارات الأميركية المتعاقبة (وزراء خارجية، مساعدون لهم، سفراء، جنرالات، مسؤولون سابقون في السي آي آي)، تصدر سنوياً ودوريّاً تقارير حول البلدان التي تعاني الأزمات (أكثر من سبعين بلداً من ضمنها لبنان، وهي تتعاون مع شخصيات عربية كالأخضر الابراهيمي والوزير السابق غسان سلامة) وتتبنّى الكثير من الحكومات وأوّلها الإدارة الأميركية، أنماط الحلول التي تقترحها. هذه المجموعة، ساهمت إلى حد بعيد في تأمين مظلة واقية لحكومة ميقاتي، التي سوّقت على أنّها، وعلى رغم مشاركة "حزب الله" وحلفائه فيها كأكثرية، الوحيدة القادرة على تأمين الاستقرار وتمويل المحكمة الدولية.

لم يكن مشهد استقبال الإمام الخامنئي للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، يرافقه الثنائي فيلتمان ولارسن غريباً إلّا لبعض الأوساط البعيدة نسبيّاً عن الصورة. فيلتمان الذي يقال إنه عرّاب حكومة المالكي في العراق، لم يكن بعيداً عن الأحداث التي أسقطت حكومة الحريري. جدير بالملاحظة أنّ الإدارة الأميركية يومها لم تمارس أيّ ضغط كافٍ لمنع الانقلاب في لبنان، وأعادت سفيرها إلى دمشق، كما انّها استمرّت في التنسيق غير العلني مع إيران في الملف العراقي.

اليوم، وفي مصادفة ليست ككل المصادفات تشرب "حكومة فيلتمان ولارسن" حليب السباع، ويعزف رئيسها موسيقى خروج الأرواح السبعة من القمقم، مباشرة بعد زيارة فيلتمان ولارسن إلى طهران.

كأنّه تفاهم على هامش الاشتباك الاميركي الكبير حول الملف النووي، يقضي ببقاء الوضع على ما هو عليه في لبنان، ما يعني وللمفارقة أنّ "حزب الله" أيضاً سيبقى وحتى انتهاء هذا التفاهم، شريكاً فاعلاً في حكومة فيلتمان.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل