#dfp #adsense

المُشتَرك والمُختلِف بين زيارتي السلف والخلف

حجم الخط

إن تخصيص لبنان بزيارتين بابويتين في غضون 15 عاماً متأتٍ من محورية الدور المسيحي في هذا البلد الصغير وتعويل رأس الكنيسة الكاثوليكية على هذا الدور لإبقاء شعلة المسيحية المشرقية مضاءة. ولكن أين المشترك والمختلف بين زيارة البابا يوحنا بولس الثاني في العام 1997 وزيارة البابا بنديكتوس السادس عشر اليوم؟

ثمّة انطباع عام مفاده أنّ الزيارة الأخيرة قوبلت ببرودة شعبية مقارنة مع التي سبقتها، وهذه البرودة ليست متأتية بالتأكيد من شخصية كل من الرجلين على أهميتها، لأنّ التأثير الشخصي يبقى ثانوياً مقارنة مع ما يرمز إليه البابا وأبعاد زيارته، وبالتالي اختلاف النظرة الشعبية عائد بشكل أساسي إلى اللحظة السياسية أو طبيعة المرحلة السياسية وظروفها.

ففي حقبة التسعينيات، كان الوجدان الشعبي المسيحي ينظر إلى الكنيسة باعتبارها خشبة الخلاص الأخيرة بعد اعتقال القادة المسيحيين وإبعادهم وتهميش الدور السياسي المسيحي والهيمنة السورية الكاملة على القرار اللبناني، وبالتالي تحوّلت الكنيسة إلى "صوت الذين لا صوت لهم" وبات كل الرهان عليها لفكّ القيد عن لبنان وتحريره من خاطفيه.

كان الاعتقاد أنّ أهمية زيارة يوحنا الثاني تكمن في تسليطها الضوء على الواقع اللبناني وما يعتريه من خلل فاضح على المستوى السيادي، وإعادته تحت المجهر الدولي بعد هذا التخلي الفاضح عنه وتسليمه إلى النظام السوري، وإطلاق دينامية نضالية لمواجهة الأمر الواقع القائم، وتزخيم دور الكنيسة لتمكينها من مواصلة دورها في الدفاع عن الثوابت الوطنية. فالحاجة المسيحية إلى قيادة تعيد الأمل إلى نفوسهم وتزيل شعورهم بالإحباط وتحقّق تطلعاتهم السيادية، كانت وراء الاصطفاف خلف الكنيسة، كما الرهان على زيارة البابا لاختراق حالة الجمود السياسية التي كانت تطبع الوضع اللبناني.

فالفارق الأساسي إذا بين زيارتي السلف والخلف يكمن في اختلاف الظرف التاريخي مع استعادة المسيحيين دورهم السياسي بعد الخروج السوري من لبنان الذي فتح اللعبة السياسية على مصراعيها بمعزل عن دور "حزب الله" المعطل لقيام الدولة، إذ إنّ النظرة إلى الكنيسة اختلفت بانتقالها من الإطار الأوحد القادر على ربط النزاع مع الوصاية السورية لاستعادة السيادة إلى تشكيلها رافعة لهذا الخط أو ذاك في ظل الانقسام العمودي القائم بين فريقين وتوجّهين، وبالتالي التعويل في هذه المواجهة عاد إلى القوى السياسية، الأمر الذي جعل الكنيسة قيمة مضافة أكثر منها رأس حربة، فضلاً عن عدم جواز التقليل من التحوّل الذي طرأ على مستوى بكركي.

هذا على مستوى المختلف، أما على مستوى المشترك فقد نجح المسيحيون في الزيارتين في تظهير صورة إنسانية حضارية وقوية عبر مشاركتهم الكثيفة التي دلت وتدل على تعلقهم بإيمانهم وحضورهم، وأنّهم ليسوا أقلية سائبة أو جماعة مستقيلة من دورها وأن لا خوف على مستقبل المسيحية المشرقية في ظل الوجود المسيحي اللبناني، كما نجحوا في خطف الحدث السياسي باستقطاب الاهتمام الدولي وإعادة الاعتبار إلى الجماعة المسيحية والدور الريادي إلى المسيحيين في لبنان في إرساء نموذج أوحد في العالم مبني على الشراكة السياسية بين المسيحيين والمسلمين.

وكان واضحاً في الزيارتين الهم البابوي في بقاء لبنان عصب المسيحية المشرقية، ومن هنا الدعوات الصريحة إلى عدم الخوف ومواجهة الصعاب والثبات في الأرض ورفض الهجرة. وبما أنّ الأحداث في التاريخ مترابطة، فالكل يدرك مدى تأثير هذه الزيارات أو مفاعيلها من استرجاع المواطن المسيحي العادي ثقته بنفسه إلى تزخيم دور الكنيسة والمجتمع المدني والقوى السياسية، وما بينهما إعادة المسيحيين إلى صلب المعادلة الوطنية.

فلا يمكن الفصل بين زيارة البابا في العام 1997 وبين الدور الوطني التاريخي الذي أدّته بكركي في إنجاز الاستقلال الثاني، كما لا يمكن التقليل بين توقيت هذه الزيارة والربيع العربي الذي أعاد الاعتبار إلى المفهوم الأساس الذي قامت عليه المسيحية ألا وهو قدسية الإنسان واعتباره محور الكون، وبالتالي أهمية انخراط المسيحيين وتشجيعهم لهذه الثورات التي تشبههم وتشكّل الضمانة الوحيدة لمستقبل المسيحية المشرقية التي يبقى مصيرها مُهدّداً في ظل الديكتاتوريات القائمة وخلاصها الوحيد هو عبر إرساء أنظمة ديموقراطية تحترم الإنسان والتعدد والتنوع.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل