في داخل «حزب الله» نقاشات حول المرحلة. هناك متشدّدون ومعتدلون. لكن المؤكد أنّ «الحزب» ذاهب إلى تثبيت موقعه اللبناني، لا السوري ولا الإيراني. فهو لا يضيع البوصلة، وعنده ما يكفي من التعقُّل.
منذ انطلاق الأزمة في سوريا في آذار 2011، يخوض "حزب الله" معركة لا هوادة فيها إلى جانب نظام الرئيس بشّار الأسد. ويبرِّر القريبون من "الحزب" هذا السلوك. فهو ليس حليفاً عادياً للنظام، ولا هو أداة سورية على غرار أحزاب لبنانية أخرى. إنّه شريك في الحلف الاستراتيجي الممتدّ إلى طهران. وإذا سقط النظام السوري، فإنّ "الحزب" سيفقد الحلقة التي تربطه بطهران. ولن يستطيع تعويض هذه الخسارة في أيّ شكل. وسيكون هو وسلاحه في حصار خانق.
لذلك، يستخدم "الحزب" طاقاته كلها للمساهمة في منع سقوط الأسد. وهناك مَن يتَّهمه بإرسال الرجال والسلاح إلى سوريا لهذه الغاية. ويقول القريبون من "الحزب": مجنون مَن يفكِّر في أن "الحزب" قادر على ممارسة النأي بالنفس عن الحدث السوري. إنّه معنيّ به مباشرة. فالخسارة واحدة، والانتصار واحد. ولن يوفّر "الحزب" وحليفه الإيراني أيّ وسيلة تمنع سقوط الأسد.
لكن هناك مؤشرات جديدة لدى "الحزب"، يُعبِّر عنها صمته أخيراً إزاء ملف الوزير السابق ميشال سماحة ومستتبعاته، ودخول الجيش إلى الضاحية وسوى ذلك. ويترافق ذلك مع نقاشات تدور داخل "الحزب" وبينه وبين الحلفاء الإقليميين، بمَن فيهم الأسد نفسه، حول الحدود التي يجدر بـ"الحزب" أن يصل إليها في دعمه النظام.
فالرئيس السوري لم يحسم المعركة في سوريا كما يأمل هو و"الحزب". وأكثر الذين يدركون استحالة ذلك بعد اليوم هو "حزب الله". فكلما طالت الأزمة واتّخذت طابعاً دموياً، ازداد الحسم صعوبة. واتضح أنّ سوريا لن تعود إطلاقاً إلى قبضة الأسد على رغم الفرص الإقليمية والدولية التي أُعطيت وتُعطى له للبقاء في السلطة. وإذا لم يرحل الأسد بموجب تسوية سياسية إقليمية – دولية، فالأرجح أنّ سوريا تقترب من خيار واحد: إستمرار الحرب الأهلية إلى الحدود التي تؤدي إلى "اهتراء سوريا" تماماً.
لا للحرب الأهلية!
هذا التصوُّر لمستقبل الأزمة في سوريا يدفع "حزب الله" إلى خيارات أكثر واقعية. وفي هذا المجال، يؤكد القريبون أنّ "الحزب" لن يتخلّى عن حليفه السوري، لكنّه بدأ يراجع حساباته. فهو لا يريد التضحية بنفسه إذا كانت معركة الحليف الإقليمي ميؤوساً منها. إنّه لن ينشقَّ عن النظام، لكنّه لا يريد الانتحار. ولا ينفع "الحزب" ولا الحلف الإقليمي الواسع أن يخسر "حزب الله" والأسد في آن واحد. ولذلك، يدرس "الحزب" مجموعة من الخطط الكفيلة بمواكبة المرحلة المقبلة في سوريا، وفقاً للاتجاهات التي تأخذها الأحداث.
فإذا رحل الأسد وفقاً لتسوية، كما يتوقّع البعض، سيكون أمام "الحزب" أن ينضوي أيضاً في تسوية سياسية لبنانية، هو وسلاحه. وفي تلك اللحظة سيكون الحوار الذي يدعو إليه رئيس الجمهورية ميشال سليمان مصلحة لـ"الحزب". وأمّا إذا دخلت سوريا في مواجهة دموية غير محدودة، وهذا الاحتمال هو المرجّح حتى اليوم، فإنّ "حزب الله" لن ينخرط في هذه المواجهة لأنّها ستتخذ طابعاً مذهبيّاً شديد الخطر على لبنان. وستؤدي مشاركة "الحزب" فيها إلى اندلاع الفتنة في لبنان من دون ضوابط. وفي هذه الفتنة، سيكون الخاسر الأول هو "الحزب" نفسه، ولن ينفعه السلاح في مواجهة أهلية من هذا النوع.
لذلك، سيتّجه "حزب الله" في المرحلة المقبلة إلى خيارات أكثر ملاءمة للحالة اللبنانية. وما تأخّر عن القيام به بعد 14 آذار 2005، سيعود إليه اليوم. وهناك مَن يقول إنّ "حزب الله" سيكون مقتنعاً قبل أي طرف آخر بشعار "لبنان أولاً". وهناك وسطاء في لبنان قادرون على الاضطلاع بدور لمساعدة "الحزب" على الانخراط في الحالة اللبنانية. وأبرز هؤلاء النائب وليد جنبلاط الذي يميّز بين "حزب الله" ونظام الأسد. وهذه أساساً المراهنة التي يبني عليها جنبلاط تمايزه داخل الغالبية الحالية، واطمئنانه إلى سلامته الشخصية.