#dfp #adsense

لمَن الأرض التي أقام البابا قداس البحر عليها؟

حجم الخط

زار البابا بنديكتوس السادس عشر لبنان في وقت مناسب. إحتاج المسيحيون إلى نوع من السكينة، والى شخص بمرتبة بابا روما، ليعمم راحة روحية ولو لأيام معدودة. زيارة البابا أشعرت كل لبناني، مسيحياً كان أم مسلماً أم درزياً، أنّه « قيمة إنسانية» في هذا المكان من العالم.

كل ما يمكن أن يُدرَجُ تحت عنوان هذه الزيارة، غير عنوان "استرداد النَفَس والثقة بالذات"، يقع بين الوهم والتمنيات. غادر بنديكتوس عائداً إلى روما، فعدنا إلى حيث كنا. وأعدنا "ميزة القيمة" بكوننا لبنانيين، إلى قفص مقفل ومَخفي، في انتظار مناسبة أخرى من عيار الزيارات البابوية. ولكن لأنّ المسيحية لا تمنعنا من كلمة "ولكن"، لا بد من هذا التعديل في برنامج الزيارة… المقبلة!

كنت صغيراً عندما حلّقت طائرة البابا بولس السادس في سماء لبنان. أصعَدَنا الرهبان إلى سطح المدرسة فركعنا وصلينا "مبارك الآتي باسم الرب". لم نلحظ طائرة في الأجواء، لكن اعتمدنا على برج مراقبة "الأبونا" الذي أعلن بصوت مسرحي وخاشع أن الطائرة تعبر الآن في سماء لبنان. زيارتان احتفاليتان لباباوين كبيرين، لم تضاهيا في نفسي عبور بولس السادس فوق لبنان..

في مخيلة ذلك الطفل: صورة بولسٍ سادسٍ سابحٍ في السماء، رائعة ومهيبة اكثر من صورةٍ لبندكتوس سادسَ عشر، لم يغب من تفاصيلها إلا غرفة نومه. كل شيء كان واضحاً وفجاً في وضوحه. لا غموض ولا سحر ولا خيال ولا شهقة. كنا في فرح، أو للدقة، كنتُ، ولم يكن "فرحي عظيماً". وأجزم أنّ قلة قليلة، بكت فرحاً. نجح التنظيم، والبروتوكول. وندرت خطوة أو لفتة أو حتى كلمة من خارج السياق الصارم للبرنامج. ورغم أنني غير منضبط في تعاليم الكنيسة، وأفرِّق بين مسيح الإنجيل ومسيح التاريخ، بما لا يُرضي كنيستي، فما سيرد لاحقاً لا يمكن وضعه في خانة "المحافظين المسيحيين". كل ما في الأمر أنني أجد عمق المعاني في بساطة الطقوس وصدقها. وأجد أنّ روعة الزيارة، كان يمكن أن تعود إلى مخيلة ذلك الطفل ورفاق له، لو طرأ التعديل الآتي على برنامجها.

في صورة عامة، زار بنديكتوس السادس عشر وصلّى في الأماكن عينها التي قصدها سلفه يوحنا بولس الثاني. بقي البابا في بكركي وضواحيها. وأُريدَ للزيارة أن تكون "زيارةً " لا حجّاً. بعد زمن سيؤتى على ذكر "قداس البحر"، مع سؤال فوري: قداس بنديكتوس أو يوحنا بولس؟ لماذا لم يُحتَفَلْ بالقداس هذه المرة في وادي قنوبين؟ تخيّلوا معي طلائع الرجال والنساء والأطفال والشباب يتوافدون قبل أسبوع ويملؤون الوادي المقدس، يغنّون ويصلّون ويكسرون سكينةً عمرها ألف وخمسمئة سنة، وينامون في العراء. ثم يأتي بابا روما إلى مذبحٍ على ثغر الوادي، في الديمان مثلا، يرفع الكأس المقدسة على أصداء ترانيم سريانية. أعتقد أنّ معاني الزيارة كانت أبلغ وأعمق لو أُقيم القداس الكبير حيث نشأت "مسيحية لبنان، ولبنانية المسيحيين" وحيث ازدهرت وعانت وصمدت، منتظرة مئات السنوات ليأتي اسقف روما إلى بيروت، وبكركي وضواحيها، وليأتي أيضاً إلى منبت شجرة ذُكرت مرات عدة في الكتاب المقدس واسمها أرزة. الطقس صيف، والديمان مقر صيفي لأسقف أنطاكية وسائر المشرق، وكان جميلاً أن يشعر بنديكتوس بروعة وادي قاديشا حيث لجأ المسيحيون الأوائل عشرات السنوات، قبل أن يتجرأ بعضهم ويعود إلى… بشري وإهدن! مشقة الوصول ومتاعبها كانت ستصيب الرعية لا الراعي الزائر، ومَن كان ليتردد أمام هذا الحج؟ خطر الاعتبارات الأمنية في قنوبين، إن لم يكن موازياً لأخطار بيروت وبكركي وضواحيها، فهو حكماً أقلّ. ولمئة سبب وسبب. ثم إنّ بندكتوساً جاء بسينودوس وبرسالة مشرقية للمسيحيين في سوريا والعراق وفلسطين. لذلك جغرافياً ومن منطلق الزيارة، وادي قنوبين أقرب إلى سوريا. وقانا، لو زار قانا، أقرب إلى فلسطين. لو ارتحل بنديكتوس إلى جبال لبنان الشمالية لكنّا عرفنا لمَن الأرض التي يُقام عليها القداس، ولكن مسطّح "قداس البحر" لمَن أرضه؟ بالمعنى الرمزي وليس العقاري. قد يقول قائل إنّها بيروت رمز وحدة اللبنانيين ودرة الشرق. ولكن بيروت حظيت بحقها مع البابا الراحل. ليس لمسيحيي الأطراف حظ، لا في الإنماء المتوازن ولا في القداديس! . ثم إذا كانت قنوبين بعيدة، فثمّة أربعة قديسين على بُعد أقل من خمسين كيلومتراً من بكركي وضواحيها، في قضاءي البترون وجبيل. هناك نشأت أولى البطريركيات المارونية من كفرحي إلى يانوح إلى ميفوق إلى العاقورة. من تلك القرى العالية انتشر المسيحيون في طول لبنان وعرضه وفي سوريا وقبرص والعالم. ألا تستحق الأرض القديمة قدّاساً؟ يميل الفاتيكان إلى إقامة قداديس البابا حيث يرتبط المكان بالمعاني التاريخية أو الروحية لجمهور المؤمنين. ما بين البرازيل وكرة القدم، اكثر من رياضة وتسلية. إنّها من روح شعب البرازيل الحديث في الكثلكة. إذا أقام البابا قداسه في ملعب لكرة القدم فلا تكون الاعتبارات مقتصرة على ضرورات المساحة فقط. روح اللبنانيين المؤمنين بكنيسة كاثوليكية جامعة، مرتبطة بالأودية والجبال. على كل تلة دير، وفي كثير من الأودية محابس نساك وملاجئ لبطاركة. على طريق بنديكتوس إلى دير بزمار، مفرق يؤدي إلى وادٍ في غوسطا فيه مقر بطريركي قديم اسمه مار شليطا مقبس، هذا المقر يطلق عليه لقب "قنوبين كسروان"، وهو أقرب إلى بكركي وضواحيها من عنايا وكفيفان وجربتا، لمَن يخاف عناء الطريق! يُقال إنّ هنري الرابع البروتستنتي عندما طُلب منه التحول إلى الكثلكة ليربح عرش فرنسا، أفتى المسألة بعبارة: PARIS VAUT BIEN UNE MESSE يوم قال هذه العبارة كان عمر الكثلكة في لبنان نحو ألف عام. الألف عام تلك، لم تكن… كيوم أمس الذي عَبَر!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل