العام 1996، انحنت ستريدا جعجع وحيدة أمام تواضع ممثل يسوع على الارض، ذاك الطوباوي الذي كُرّس قديس القلوب قبل أن تكرّسه روما، البابا يوحنا بولس الثاني. وطلبت منه في سرّها وعلنها، وبعينيها الحزينتين الثائرتين الرامشتين على عنفوان العالم، طلبت أن يصلّي لاجلها ولاجل ذاك المعتقل الذي حرّرنا بأسره ولأجل الرفاق المضطهدين والمنفيين، وأن تسود العدالة فوق أرض لبنان ويعود الحق لاصحاب الحق.
يومذاك كانت ستريدا جعجع من دون سمير جعجع، ملاحقة، منبوذة من السلطات الرسمية اللبنانية، محللة دمائها من سلطات الاحتلال السوري وعملائه "الاوفياء" في لبنان، وكانت القوات اللبنانية تحت البلانكو، في عمق الاغلال، في ثورة النضال والمقاومة، وفي ذروة الاستشهاد والتعذيب… فجاء بولس الثاني، حلّ ضوءا، أملا، بصيص حياة، عبق حرية، وما ان رحل حتى جنّ الاحتلال وعاد وشن على مراحل، أعنف حملات الاعتقال والتنكيل بالشباب المسيحيين تحديدا، "قوات لبنانية" ومعها كافة المجموعات السيادية، وأحكم قبضته أكثر فأكثر على مفاصل لبنان كافة، قبل أن يأتي ذاك التاريخ المجيد فعلا، هو وحده المجيد، 26 نيسان 2005 جلاء جيش الاحتلال السوري عن لبنان.

دارت الايام دورتها العنيفة، وبعد نحو ستة أعوام جاء رسول محبة آخر، غير اسم غير وجه لكنه هو نفسه مرسال يسوع حلّ في أرض النار والبخور، وذهبت ستريدا جعجع وانحنت مرّة ثانية أمام تواضع الكبير، ولكنها لم تكن وحيدة، كانت برفقة اثنين، سمير جعجع وصلواتها وعنفوانها اياه الذي لم تتمكن سلطات الاحتلال من تطويعه. وقفت عند باب القصر الجمهوري في بعبدا وأعلنت: "بالـ96 كنت لوحدي بس سلّمت على يوحنا بولس الثاني، هلأ أنا مع الحكيم". هي الرسالة اذن، تلك الرسالة التي تكلّم عنها ذات ضوء، يوحنا بولس الثاني حين اعتبر لبنان أكبر من وطن، وحمّله مضمون التبشير المسيحي المفعم بالسلام، وقالها بالفم الملآن غير آبه لا باحتلال ولا بسلطات أرضية زائلة وهمية، قال لبنان رسالة.

دارت الايام دورتها العنيفة لتثبت من جديد، ان هذه أرض منذورة للوقف، للقداسة، ومن يمسّها يحترق بنار النسيان والذوبان. أتى بنديكتوس السادس عشر، خرج دكتور جعجع من معراب للمرة الاولى بعد محاولة اغتياله، لاستقبال الاتي باسم الرب، دخل القصر الجمهوري زائرا، فبدا وكأنه ربّ البيت، انحنى بدوره لتواضع الكبير وهو يعرف انه عندمل يرحل، وان كان لن يرحل منا، ستجنّ الارض من جديد، سترسم طيور الشر كل دروب الشوك، ستحترق الايام بنار الايام، لكن المجد آت، لا محال، لا يمكن، مستحيل الا يأتي، هي الكنيسة وأبواب الجحيم لا تقوى عليها. الكنيسة ليست ابنة الانظمة الظالمة، هكذا أراد الرجل الابيض أن يقول للعالم المتحلّق حول صفائه، بشّرهم بالربيع العربي الاتي، آزر الضعفاء وصلى من أجل المضطهدين. هذه ثورة الايمان تحل بلبنان لمرتين، وبعد كل مرّة يتوهج الموت لوهلة، وما يلبث أن يخبو. شمس الحق أقوى من كل شيء. روح يسوع لا تُقهر.
عند باب قصر بعبدا، لم تكن ستريدا جعجع وحيدة هذه المرة، لم يكن سمير جعجع سجينا، وان كان بعض لبنان ما زال كذلك. ابتسم جعجع بمحبة وعنفوان للرجل الابيض، صلّى على طريقته، ابتسم للسيدة الجميلة التي ترافق عمره. يعرف الرجل تماما ان اليوم غير الامس، وان الله عندما يريد ارسال الاشارات البيضاء الناصعة، يتكلّم عبر ناسه على الارض، فعلها مع يوحنا بولس الثاني، والان يعيد الكرّة مع بنديكتوس السادس عشر، وما علينا سوى انتظار لحظة الحرية الجديدة. هذه المرّة لم تكن ستريدا جعجع وحيدة ولا لبنان يتيما، والحرية موعد الاحرار المؤمنين بالتأكيد ومن كل الطوائف، هذه كانت الرسالة من رجل السلام، من يتحرر بالمسيح ممن يخشى بعد؟؟
