كنّا على موعد أخيراً مع اختبار حقيقي للصحوة العربية التي سحرتنا وألهمتنا وبثّت لدينا الزخم ومنحتنا الكثير من الأمل في مستقبل كان من قبل مجرّد حلم بالنسبة إلينا.
كان الاختبار بسيطاً ومباشراً وغير معقّد، وقد فشلنا فيه فشلاً ذريعاً.
فالتظاهرات الدموية التي شهدناها في الآونة الأخيرة سببها فيلم تافه وفاشل لم يشاهده أحد. ولم يسترعِ انتباه أحد منذ إطلاقه قبل أشهر. الهدف الأساسي للفيلم العديم القيمة هو الإساءة وإثارة الغضب. لقد نجح فيلم تافه أنتجه شخص مجهول ذو ماضٍ غامض، في إسقاط كل الأقنعة وفضح سلوكنا الأكثر ظلمة والصورة الأكثر انحداراً للعرب حتى يومنا هذا.
لقد ساهمت مجموعة من الحاقدين والقتلة الغاضبين في جعل الفيلم المغمور يتصدّر العناوين الرئيسية في الإعلام العالمي. فهذا الفيلم الفاشل بات يُعرَف في العالم بأسره بالفيلم "المسيء الى الإسلام" وحتى "فيلم محمد"! إذا كان الفيلم قد أساء إلى البعض، فإن المتطرّفين بدورهم أساؤوا إليّ وإلى الملايين من المواطنين في العالم الذين يرفضون ردّ الفعل الإجرامي عليه.
يسوؤني أن بعض الأشخاص لا يزال يحاول تبرير أفعال حفنة من القتلة مكانهم الصحيح هو العزلة لا مجتمع متحضِّر.
يسؤوني أن حفنة من الفاشلين المخبولين تستطيع اختطاف كل المجهود الدؤوب الذي بذلته الجماهير، ونشر الفوضى في مدننا وفي السفارات الأميركية في العالم العربي.
يسؤوني أن القتلة الفاقدين لصوابهم يسرحون ويمرحون، وأن الحكومات عاجزة عن ضبطهم بسرعة والحفاظ على الهدوء والأمان.
الربيع العربي ملك لنا، وعلينا الدفاع عنه بكل الوسائل المتاحة. لكنني لم أتوقّع قط أن نُضطرّ إلى حمايته من أنفسنا. أعتبر أننا جميعاً شعب واحد. المجانين والأصحّاء بيننا هم شعب واحد. وكذلك المتطرّفون والليبراليون. والمتديِّنون والعلمانيون. وودعاء القلوب والحاقدون. علينا أن نجد طريقة للعيش معاً، وتقبّل بعضنا البعض، والسماح للآخرين بأن يعيشوا حياتهم بالطريقة التي يرونها مناسبة. عالمنا ملك لنا جميعاً، وليس ملك لأيّ جهة كانت. إنه لنا، وعلينا إيجاد طريقة للعيش معاً قبل فوات الأوان.
يتعين علينا أن نعيد اختراع طريقة للتحاور في ما بيننا. إنها مسؤولية الجميع. تبدأ مع الفرد والعائلة والمجتمع والمدرسة ومكان العبادة ومكان العمل والنادي وفي كل مكان يلتقي فيه الأشخاص.
أحمّل كلا منّا مسؤوليّة هذا السلوك المتهوّر الذي تُظهره حفنة قليلة بيننا. يجب أن نغيّر الأساليب التي نتعامل بها بعضنا مع البعض قبل أن نطلب من العالم أن يأخذنا على محمل الجد. نطلب مساعدة الغرب، ونستهلك منتجاته، ونقبل المساعدة منه، ولا نكفّ عن طلب المزيد. ونريد من الغرب أن يتعامل بإنصاف مع قضايانا وشؤوننا. فلنتوقّف قليلاً ونسأل "لماذا؟" لماذا يجب أن يتخذ الغرب موقفاً أكثر دعماً في الشؤون التي تهمّنا؟ ماذا فعلنا أخيراً لقضايانا ما عدا التشدّق بالكلام الذي بتنا متمرّسين فيه على مر السنين؟
أيتها الشعوب العربية، أجيبيني عن هذا السؤال: ما هو موقفنا من قضايانا؟ ماذا فعلنا لفلسطين في الآونة الأخيرة؟ متى كانت المرة الاخيرة التي دقّقنا في سجلّنا المخزي في مجال حقوق الإنسان؟ متى كانت المرة الاخيرة التي أُقِرّ قانون لحماية حقوق الأطفال أو النساء؟ متى أشركنا شبابنا طوعاً في الحوارات الوطنية أو منحناهم فرصة لإدارة بلداننا؟ هل ننتبه حتى لسوء المعاملة الشديدة التي يتعرّض لها العمّال المهاجرون في ثقافاتنا "الرحيمة"؟
مع ذلك، وعلى رغم كل إخفاقاتنا وافتقارنا إلى الحداثة والتمدّن، نريد من العالم أن يحترمنا ويعاملنا بإنصاف. الخبر السار هو أن العالم بأسره دُهِش بحركاتنا الشبابية التي قلبت الوضع القائم رأساً على عقب، وأطاحت الأنظمة، وأسقطت الديكتاتوريين، وأنهت عقوداً من الطغيان، وبثّت الأمل عبر الحدود والقارّات. وكيف كافأنا هؤلاء الشباب؟ ألقينا بهم جانباً في أسرع ما يكون عوض أن نجعلهم جزءاً لا يتجزّأ من الحلول والتخطيط للمستقبل.
لقد رسّخت التصرّفات الجنونية لحفنة قليلة من الأشخاص، الأفكار النمطية القديمة التي يبذل كثرٌ بيننا جهوداً دؤوبة لتصحيحها. رد الفعل العنيف والخارج عن السيطرة على الأشياء "المسيئة" والذي يتكرّر باستمرار، بات تصرّفاً مبتذلاً ويجب وقفه بكل الوسائل الممكنة. يجب محاكمة المجرمين، وعلينا أن نعكس معتقداتنا الحقيقية من خلال الطريقة التي نربّي بها أولادنا. فما شهدناه الأسبوع الماضي من تظاهرات عنيفة وقتل وإحراق متعمّد للمنشآت دليل على أن التربية الضيّقة على الكراهية والعنف متجذّرة عميقاً في ثقافتنا.
يجب أن يقود الربيع العربي إلى تنشئة مواطنين عالميين يتمتّعون بحس المسؤولية ويجيدون التفاوض، بعيداً من اللجوء إلى العنف كخيار أوّل أو أوحد. ويجب أن تقوم الصحوة العربية على الإصغاء والتحاور بطريقة متحضِّرة. فالمجتمع الدولي سوف يضعنا جميعاً في السلّة عينها حتى لو كنّا نعارض بشدّة تصرّفات تلك الحفنة الضئيلة من الأشخاص.
أحيّي جميع من استنكروا العنف والقتل العشوائي. وأضمّ صوتي إلى الأصوات الكثيرة التي عبّرت عن اعتذار صادق، وكذلك إلى الجهود التي يبذلها العرب الحكماء الذين يتكلّمون جهاراً من خلال كل الوسائل المتاحة لهم. يجب أن نستمرّ في رفع الصوت عالياً لحجب الضجيج الحاقد. أما بالنسبة إلى رد فعلي على الفيلم المسيء، فقد تعاملت معه تماماً كما أتعامل مع أي هجوم حاقد ودنيء عليّ شخصياً أو على شيء أحترمه أو شخص أقدّره. لقد تجاهلته لأنه مجرّد فيلم تافه لا يصلح الا لرميه في سلّة المهملات!