#dfp #adsense

البابا يغادر وطيف السلام الآتي يبقى

حجم الخط

دحرج قداسة البابا بنيديكتوس السادس عشر الحجر عن أيام السلام القادمة في لبنان والشرق الأوسط، طالما أنه وعد اللبنانيين بالصلاة للبنان لكي يحيا بسلام. فزيارته أضافت الى وطن الرسالة دوراً في الربيع العربي، أما تاريخية زيارته وأهدافها فتؤكد استمرار مفاعيلها حتى يتحقق الربيعان العربي والمسيحي، دينياً وسياسياً.

فالزيارة بحدّ ذاتها تأتي في إطار التحدي لكل الظروف الأمنية والعربية المحيطة بلبنان. البلد الصغير دخل التاريخ من خلال دوره المؤثر في دول العالم العربي، بعدما كرّسته دولة الفاتيكان الأبرز بينها. فمن لبنان، يتوزّع الأمل الى كل دول الشرق الأوسط، خصوصاً الى سوريا التي يواجه أبناؤها عنف نظام يقوّض سلامهم واستقلالهم. ومن لبنان يظهر الإرشاد الرسولي انفتاحاً على حوار حقيقي بين الأديان، وكانت الرسائل الدينية والحياتية والسياسية موجّهة الى مختلف الأقطاب أبرزها اليهود والمسيحيون والمسلمون، كذلك يدعو الإرشاد الرسولي الى الإعتراف بدولة فلسطين ودعم شباب سوريا.

تكاد تكون مواقف قداسة البابا في لبنان التي تضمنتها كلماته توازي أهمية الإرشاد الرسولي. فقد لا يتسنى لكل اللبنانيين الإطلاع على تفاصيل الإرشاد الرسولي إلا أنه لا يمكن لأي لبناني أن يغضّ الطرف عن دعوات السلام التي أرادها البابا جريئة حين قال "أنا أريد نشر السلام من دون خوف". كما لا يمكن لأي لبناني أن يستخف بدوره في نشر السلام في ما يخدم قضاياه السياسية والدينية معاً. وهذا الدور مدعوّ إليه اللبنانيون من مختلف الأديان والطوائف والإتجاهات، فقد وضع قداسة البابا بين يديه أسمى المهمات، وسلّم السياسيين في لبنان مسؤولية الحفاظ على مفاعيل السلام والرجاء والإيمان بغد مستقرّ.

وإن كانت المقارنة لا تجوز بين السياسة في لبنان ورسائل قداسة البابا، إلا أن قداسته جمع المختلفين سياسياً، والمتناقضين آذارياً، والمتنوّعين دينياً.. جمعهم كما لم يفعل رجال الوطن حول قضية واحدة هي الوطنية ومحاربة البطالة والتمسّك بالأرض. وإن كانت تأثيرات السياسة زمنية أو مرحلية أو مرتبطة بحدث مستجدّ في لبنان أو أي دولة من العالم فإن تأثير الكلام عن السلام والمحبة والشراكة والشهادة لا يتبدّل في أي زمن ولا يتلوّن بأي لون.

أما المعاني السياسية ومواقف السياسيين فبعضها يحتمل التأويلات والتفسيرات المتعددة، فيما تنفرد الدعوات الى السلام بمعنى واحد لا ثاني له. وأن يعبّر قداسة البابا صراحة عن رفضه تصدير السلاح الى سوريا، وأن يقدّر شجاعة الشباب السوري، ويدين الأصولية وتزوير الدين.. لا يعني أنه ينحاز لطرف ويعارض الآخر لأن السلم مرتبط بالسلام. زار الحبر الأعظم الشرق الأوسط من بوابة لبنان، هو رحل مودِعاً سكان هذا الشرق "شيفرا" السلام والرجاء والأمل.. أمل بربيع لبنان المعلّق على خشبة هذا الشرق والذي فشلت سياسة النأي بالنفس من تحاشي نزفه، أمل بربيع لسوريا تسوده الحرية ورجاء شبابها بأن تكون الشهادة على قدر استحقاق الوطن، أمل الفلسطينيين بربيع وطن ومقدّسات وعودة الى الجذور..

غادر البابا إلا أن اللبنانيين باقون وعليهم تقع المسؤولية. سيذكرونه في كل مراحل حياتهم اليومية، ولا شكّ سيعملون جاهدين لنشر السلام والإبتعاد عن مبادلة الخطأ بخطأ أكبر منه. فهل يكون اللبنانيون والسياسيون في لبنان من دعاة السلام في الداخل والخارج أم تكون سياسة "النأي بالنفس" خطيئتهم الكبرى؟

"الإرشاد الثوري" الصادر عن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بالتظاهر وعن قائد الحرس الثوري الإيراني بوجود ضباط من فيلق القدس في سوريا ولبنان هو من أبرز المشكلات التي واجهت الإرشاد الرسولي الذي تركه قداسة البابا" يقول رئيس "اللقاء المستقل" وعضو الأمانة العامة لقوى 14 آذار نوفل ضو "كنا ننتظر ممن يعتبر نفسه المرجعية الشيعية في لبنان، وثيقة مرجعية في موضوع الحوار والسلام في المنطقة والربيع العربي تلاقي الوثيقة المرجعية المسيحية المتمثلة بالإرشاد الرسولي."

ورأى ضوّ أن "الإرشاد الرسولي وثيقة مرجعية مسيحية تلاقي وثائق مرجعية سنية متمثلة بما صدر عن الأزهر الشريف قي القاهرة، وما صدر عن الإخوان المسلمين في كل من مصر وسوريا، لناحية تصوّر هذه المرجعيات السنية لمفهوم المجتمع المدني وديموقراطية ما بعد الربيع العربي." وأضاف " في حين كنا ننتظر وثيقة مرجعية شيعية تعبّر عن مفهوم الشيعة اللبنانيين والعرب لمستقبل لبنان والربيع العربي، إذا بنا نفاجأ بإرشاد ثوري يصدر عن نصرالله بالتظاهر والعودة الى لغة العنف من خلال ما صدر عن قائد الحرس الثوري الإيراني من اعتراف بوجود ضباط من هذا الحرس في لبنان وسوريا لمساعدة النظام السوري و"حزب الله" عسكريا".

ولفت ضو الى أن "كل الناس تتساءل عن طبيعة مهمات فيلق القدس." وخلص الى أن "الحزب يحاول التغطية على الخطوة المهمة التي حصلت على مستوى المنطقة من خلال الإرشاد الرسولي الذي اسقط مقولات حزب الله وحلفائه في سوريا لا سيما لناحية تحالف الأقليات الذي اسقطه قداسة البابا بالدعوة الى حوار مسيحي اسلامي يهودي شامل". وختم ضو مبديا أسفه "حيث أن هناك من سارع الى التعبير عن نيته في محاولة عرقلة وضع مضمون الإرشاد الرسولي موضع التنفيذ".

بعيدا من السياسة، يفنّد مدير المركز الكاثوليكي للإعلام الأب عبدو أبو كسم أبعاد الإرشاد الرسولي قائلا "حتى الآن لم تتم قراءة الإرشاد الرسولي بتأن، إلا أنه ليس غريباً عن مجتمعنا وعن كنيستنا الشرقية، وهو خلاصة مناقشات جرت في العام 2010 في الفاتيكان." وأشار الى أن "كل أساقفة الشرق الكاثوليك شاركوا في المناقشات مع كل أساقفة العالم في ما يخصّ الكنيسة ووجودها وتفاعلها مع مكونات المجتمعات العربية في الشرق ومشاكلها والعوائق والحلول".

ويتابع "لذا فالمضمون ليس غريباً عن مجتمعنا وعلينا أن نسعى الى تطبيق كل فصل على حدة"، ويضيف "هناك ما يخصّ الكنيسة وحياة الكنيسة الداخلية وهناك ما يخص علاقة الكنيسة بالدولة وبالديانات الأخرى، وعلاقة الكنيسة بالقيم الإجتماعية والإنسانية." وأكد أبو كسم "أنه قبل كل ربيع سيكون شتاء وبعده يأتي الصيف، وكلنا نعمل ليزهر الربيع، وقد تحدث البطريرك مار بشارة بطرس الراعي عن الربيع الروحي وليس عن الربيع السياسي." ويشرح أن المقصود بالربيع الروحي "هو تجدد الكنيسة، أي حين تزهر الكنيسة من الداخل".

وتعليقاً على تأثير السياسة والدعوات للتظاهر على دعوات السلام، اعتبر أبو كسم "أن مفهوم السلام والتربية دائم في مجتمعاتنا، أما الدعوة الى التظاهر فهي ردة فعل على الفيلم المسيء الى المسلمين." وأشار الى أن "كل مسلم يعترض على تشويه صورة دينه، وبالتالي يجب احترام الآراء المختلفة، وليس بالضرورة أن ينسف ذلك كلام السلام.." مشددا على أن "التعبير عن الرأي من خلال ردات فعل لا تؤذي الآخرين ولا تخدم مصالح أصحاب الفتنة، نضعها في إطارها الطبيعي، أما إذا كان الهدف هو الإعتداء على الآخر فهذا طبعا يتخطى ردة الفعل وحرية التعبير".

وختم أبو كسم "الكلام عن الضوابط على تصرفات الإنسان سليمة إنما معبّرة عن حال مجتمع كبير، وهو نصف المجتمع ككل ونحن بالنهاية شعب واحد، فإذا استسلمنا أو أذعنا الى مدبّري الفتنة فحينها نكون قد نسفنا انفسنا وبالتالي وطننا".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل