يوم أقرّ اتفاق الأمن والدفاع في 17/8/1991 تطبيقاً لِما نصّت عليه معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق الموقّعة بين الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية، والصادرة بتاريخ 29/5/1991، ظنّ المؤيدون للنظام السوري آنذاك (ولم يزل البعض منهم يظنّ) أنّ سوريا ستشكل حصناً منيعاً للبنان، فتخشى إسرائيل الاعتداء عليه ويُصان الأمن في داخله.
لكنّ الواقع كان مختلفاً، إذ لم يمضِ على توقيع هذا الاتفاق عامان، إلّا واعتدت إسرائيل على لبنان عام 1993 من دون أن يبادر النظام في سوريا إلى الدفاع عنه، سنداً لأحكام المادة الثالثة من هذه المعاهدة التي نصّت على أن: "سوريا الحريصة على أمن لبنان واستقلاله ووحدته ووفاق أبنائه لا تسمح بأيّ عمل يهدّد أمنه وسيادته"، وقد تكرّر هذا الاعتداء في العامين 1996 و2006 ولم يحرّك النظام في سوريا ساكناً. لا بل، وفي اليوم الثالث للعدوان الإسرائيلي على لبنان، وتحديداً في 15/7/2006، أعلن الرئيس السوري استعداده لتزويد الولايات المتحدة بأماكن وجود عناصر "القاعدة" في لبنان، وذلك في إطار إبداء رغبته بالتعاون معها خوفاً ومنعاً من أن يطاولها العدوان الإسرائيلي أو أيّ تغيير في المنطقة، مُبرزة الحاجة إلى دورها كعامل استقرار في المنطقة، هذه السياسة التي انتهجها هذا النظام منذ توَلّيه السلطة وحتى اليوم.
أكثر من ذلك، قصفت طائرات إسرائيلية المفاعل النووي لسوريا الذي كانت تتستّر عنه، وجلّ ما كانت عليه ردة فعلها هو إصدار بيان تتعهّد فيه بالرد عندما تجد أن الظرف مؤاتٍ! لكنها حتى اليوم لم تجد ذلك الظرف بعد، لا بل إن النظام يمرّ بظروف عصيبة قد تجعله عاجزاً عن التعهّد بأنه باقٍ في الحكم حتى صباح اليوم التالي.
وعليه، هل يصحّ إطلاق مصطلح "الدفاع" على هذا الاتفاق، حيث لم يدافع هذا النظام عن لبنان، لا بل انه لم يدافع عن نفسه كما ذكرنا، فهل تبقى من حاجة لوجود "اتفاق أمن ودفاع" لا يعدو كونه مجرد أوراق تتضمن عبارات منمّقة لا يطبّق منها شيء؟!
أما بالنسبة إلى الأمن المَرجوّ من الاتفاق المذكور، فقد اهتزّ الأمن في لبنان بعد توقيع هذا الاتفاق مرات ومرات. فعمليات الخطف استمرّت، ولم تتوقف حتى تاريخه، إضافة إلى عمليات الاغتيال والتفجير التي طاولت المُصلّين في كنيسة سيدة النجاة، مروراً باغتيال رمزي عيراني وإيلي حبيقة ورفيق الحريري، وصولاً إلى ما كان ينوي الوزير سماحة القيام به.
كل هذه الأحداث تُثبت أن الأمن كان مفقوداً في لبنان في ظل هذا الاتفاق، والمشكلة الأكبر تكمن في ما لو عُدنا إلى معظم الاغتيالات والتفجيرات التي حصلت قبل توقيع هذا الاتفاق، أقلّه منذ مطلع الحرب الأهلية، لوجدنا أن جهة واحدة تقف وراءها.
وهنا لا أراني بحاجة إلى الدفاع عن اتفاق "الأمن والدفاع" هذا أو معارضته، فالواقع وحده يناقضه، هذا إن لم نناقش مقدرة الحكومة اللبنانية يومذاك على رفض توقيعه، ما يجعلها واقعة تحت الإكراه.
يبقى أن إلغاء هذه العقود محددّ أصولاً بموجب قانون المعاهدات، حيث يجب أن يرِد شرط الإلغاء في متن الاتفاق أو المعاهدة، على أن يتمّ الإلغاء، إما باتفاق جميع أطراف المعاهدة أو باتفاق إلغائي لاحق، أو بعد التشاور بين الأطراف المتعاقدة، أو بعد إخطار الدوَل المعنيّة بها وقبولها بذلك، أو بعد تحقّق شرط إلغائي. كما يجوز أيضاً الانسحاب من هذه المعاهدة إذا تحقّق شرط الانسحاب، وإلّا فإن قاعدة الاتفاق المُلزم تقضي باستمرار التزام أحكام المعاهدة، وذلك وفقاً لما نصّت عليه المواد 54 و56 من قانون المعاهدات الدولية، وانّ هذه الشروط كلها غير واردة في اتفاق الأمن والدفاع الموقّع بين لبنان وسوريا.
إلّا أنّ إلغاء هذه المعاهدة يبقى قائماً في حال مخالفة المعاهدة أحد أطرافها للقواعد الآمرة للقانون الدولي "Les règles impératifs jus cogens"، هذا ما نصت عليه المادة 64 من قانون المعاهدات الدولية. فمن يغيّر في تطبيق المعاهدة على نحو يفرغ مضمون الاتفاق من محتواه، لا يمكن له أن يستمر في المطالبة بالتزام أحكام الاتفاق أو المعاهدة. وقد حدّدت محكمة العدل الدولية في حكمها المتعلّق بقضية المصائد في العام 1973 التغيير الجوهري، بأنه ذلك التغيير الذي يهدّد المصالح الحيوية لأحد أطراف المعاهدة، على نحو يجعل من نطاق هذه الالتزامات شيئاً مختلفاً عن ذلك الذي تمّ الاتفاق عليه أصلاً.
وقد اتفقت الدولتان اللبنانية والسورية على أن تصون كل دولة أمن الدولة الأخرى وتدافع عنه، وهذا ما لم يحصل، إذ إن النظام في سوريا كان يعدّ العبوات والمتفجرات ليوقظ مجدداً الحرب الأهلية والطائفية في لبنان. وفي هذا الأمر تغيير جوهري لمضمون الاتفاق، من شأنه أن يهدد المصالح الحيوية، ويعدّ خرقا فاضحا للقواعد الدولية الآمرة التي تقضي بوجوب احترام كل دولة سيادة الدوَل وعدم ارتكاب أيّ عدوان عليها وفقاً لِما يقضي به القانون الدولي، وتحديداً ميثاق الأمم المتحدة. وهل من مخالفة أفضح من العدوان الذي كان يعدّ له النظام السوري للبنان، للقول إن النظام السوري خالف أحكام هذا الاتفاق، لا سيما منها المادة /211/ التي "تمنع القيام بنشاط أو عمل من شأنه إلحاق الأذى أو الإساءة بالبلد الآخر"؟!.
هذا كله ولن نعود إلى عدوان النظام السوري على لبنان، يوم صادر دور قوات الردع العربية لينفرد بدوره الوصائي على لبنان، ويعتدي على كل المناطق التي رفضت الخضوع لهَيمنته. هذا ما فعله في بلدات: بلّا وقنات، وهذا ما فعله في الكورة والقاع وزحلة والأشرفية وعين الرمانة. وهو اليوم يكرره بأساليب مشابهة على الحدود الشمالية والبقاعية، أو بأساليب مختلفة قديمة ومتجددة تمثّلت بما كان يَنوي القيام به سماحة.
فإذا عرضت مسألة إلغاء الاتفاقات على بساط البحث، فيجب ألّا نتردّد في الوقوف إلى جانب إلغائها، وهذا ما يحصل لكلّ دولة تتحرّر من نير الاحتلال أو الوصاية. ألم يلغِ المشرّع الدستوري اللبناني، وبإرادة منفردة، كل المواد المتعلّقة بالانتداب الفرنسي الواردة في أحكام الدستور اللبناني، وتحديداً المواد 90 حتى 94 منه؟!.
ألم يلغِ المجلس النيابي، وبإرادة منفردة وبموجب القانون الرقم 25/87 الصادر بتاريخ 15/6/1987، القانون الذي أجاز للحكومة اللبنانية إبرام الاتفاق المعقود بينها وبين حكومة إسرائيل بتاريخ 17/5/1982؟! كما اعتبر المجلس النيابي الاتفاق الموقّع بتاريخ 13/11/1969 بين رئيس الوفد اللبناني برئاسة العماد إميل بستاني ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية المعروف باتفاق القاهرة لاغياً وكأنه لم يَكن.
وهل أنّ المستعمرات الإفريقية أبقَت على الاتفاقات العسكرية الموقّعة بينها وبين الدول المستعمرة يوم تحرّرت من الاستعمار؟
وهل يحكم التوازن هذا الاتفاق في ظل الاحتلال العسكري السوري للبنان، أقلّه من الناحية العملية؟ وهل جاء التطبيق وفقاً لِما تشتهيه الدولتان؟
وإذا كان إلغاء الاتفاق الموقّع مع حكومة إسرائيل لا تجوز مقارنته مع إلغاء الاتفاق الموقّع مع النظام السوري، فإنّ ما ارتكبه النظام في سوريا بحق الشعبين اللبناني والسوري معاً لم تتمكن إسرائيل من ارتكابه. أما إذا تغيّر النظام في سوريا وتحوّل الحكم هناك نظاماً ديموقراطياً، عندها تعود الحاجة إلى اتفاقات أمنية ودفاعية تصون أمن البلدين فعلاً، وليس مجرد حبر على ورق.