#dfp #adsense

نقطة على السطر: أميركا دولة صديقة

حجم الخط

اقتطع كلّ فريق من فرقاء المواجهة الأهلية اللبنانية ما يناسبه من تسريبات "ويكيليكس" لرميها في مواجهة الطرف الآخر. لا عجبَ في ذلك، لأنّ في هذه الوثائق ما من شأنه تسعير حدّة السجال الداخليّ، والكشف بوضوح أكبر عن عمق الإنشطار اللبنانيّ إثر حرب تمّوز، بحيث لم يعد فقط إنشطاراً "سياسيّاً" بل أضحى "مجتمعيّاً"، ونكاد نقول "كيانيّاً".

في الوقت نفسه، لا يتوازن فرقاء المواجهة عند الغرف من تسريبات "ويكيليكس". فالمنبر "الممانع" (والوصف ما زال مهذّباً قياساً الى ما وصل اليه هكذا منبر)، أمام مشكلة فعلية تتمثّل في اقراره بالمراسلة الديبلوماسيّة الأميركية كمصدر رئيسيّ للحقيقة السياسية في لبنان. أمّا المنبر "الإستقلاليّ" فأمام مشكلة من نوع آخر: يكتفي برفض الإستخدام التحريضيّ لما يستجلب من معين "ويكيليكس" في سياق تخوينه واستحلال دماء الإستقلاليين والأحرار اللبنانيين، من دون الجرأة على تسييس هذا الردّ بالشكل المناسب.

فإذا كان "الممانعون" غير منسجمين مع أنفسهم حين يقرّون المراسلة الديبلوماسية الأميركية المكشوفة من خلال "ويكيليكس" كمصدر للحقيقة السياسية يمكنهم استخدامها بشكل مجتزأ وتحريضيّ وعلى كيفهم، إلا أنّهم منسجمون مع تصوّرهم للولايات المتحدة الأميركية كدولة يعادونها إنطلاقاً من الأيديولوجيا الخمينية (نظرية الشيطان الأكبر)، معطوفة على بقايا أيتام الحرب الباردة، والرطانة الشعبوية المعادية للإمبريالية في العالم الثالث. إنّهم بالجملة يعتبرون الولايات المتحدة الأميركية دولة معادية لهم، وعلى هذا الأساس يحرّضون ضدّ كل من يتّصل بها، وضدّ كل من يتبادل رأياً أو نظرة مع أي ديبلوماسيّ أميركيّ، وهم يعتبرون أنّه في أفضل الحالات ينبغي أن يحصر التواصل مع الديبلوماسيين الأميركيين بأناس من طينة وزير الخارجية الحالي عدنان منصور، وألا يكون هناك أشكال متعدّدة للتواصل بين الإدارة والديبلوماسية الأميركيتين، وبين المجتمع المدنيّ والمثقفين والفنانين ومختلف الأطياف اللبنانية.

في المقابل، إذا كان الإستقلاليّون اللبنانيّون، يرفضون الأيديولوجيا الخمينية، وهم كذلك بالتأكيد، فعليهم أن يدينوا، وبشكل واضح "نظرية الشيطان الأكبر"، ويطرحوا وجهة نظرهم: لبنان جزء من المجتمع الدوليّ، ملتزم بمبدأ الحياد في الصراعات الدولية، وبإجماعات الأسرة العربية، لكنه في نهاية المطاف، دولة حصلت على استقلالها من المنتدب الفرنسيّ دون "جراح مزمنة"، بل على العكس حافظت وتباهت بفرانكوفونيتها، مع أنّ مدّة الإنتداب الكولونياليّ كانت من بين الأقصر على الصعيد العالمي (23 عاماً)، وهي دولة جيشها مبني على النمط "الغربي" وديموقراطيتها برلمانية أي تحاكي النمط "الغربي" وليس "الديموقراطية الشعبية" على النمط "الشرقيّ"، ودولة ظلّت أميل إلى الغرب في الحرب الباردة، بدليل الموقف من الألمانيتين الشرقية والغربية (فكان لبنان آخر من قطع مع المانيا الغربية تحت الضغط الناصريّ، في مقابل المطلب الرتيب لليسار اللبنانيّ آنذاك بالاعتراف بألمانيا الشرقية). والأهمّ من ذلك كلّه، أنّ العلاقة اللبنانية – الأميركية يميّزها بشكل أساسيّ حجم الجالية اللبنانية التاريخية في الولايات المتحدة، ودور هذا المهجر الأميركيّ في تطوير الذاتية الثقافية والكيانية اللبنانية، وإذا كان اللبنانيّون لا يشكّلون الجالية العربية الوحيدة في الولايات المتحدة بطبيعة الحال، إلا أنّ العلاقة اللبنانية – الأميركية في هذا المجال لها خصوصيتها الكاملة.

بالتالي، ليست المشكلة فقط رفض التحريض الممنهج ضدّ الاحرار اللبنانيين، وتحديداًَ الاحرار الشيعة اللبنانيين، على خلفية المراسلة الديبلوماسية المسرّبة إلى "ويكيليكس"، بل ينبغي أيضاً رفض الأساس الذي ينبني عليه هذا التحريض، حيث أنّ المطلوب من الإستقلاليين اللبنانيين قولها بصراحة: التمسّك بالعلاقات الديبلوماسية بمعناها الشامل مع الولايات المتحدة الأميركية هو قضية وطنية لبنانية أساسية، ليس فقط لأنّ الولايات المتحدة هي أقوى دولة في العالم، وليس طبعاً من دون إظهار الخلاف اللبنانيّ – الأميركيّ حول موقف الولايات المتحدة المنحاز، والمستقيل إلى حدّ كبير من تعهداته التأسيسية لعملية السلام في الشرق الأوسط، وإن كان لإظهار الخلاف هذا إطاره الناظم، وهو تمسّك لبنان بالمبادرة العربية للسلام، وليس أبداً انزلاقه إلى مواقع الأيديولوجيا الرسمية الإيرانية.

نعم، الخلاف حول الموقف من الولايات المتحدة الأميركية هو خلاف أيديولوجيّ، وإذا كان الطرف الممانع يحرّض ضدّ الإتصال بالأميركيين أو من أجل حصر الإتصال بعدنان منصور لا غير، فعلى الإستقلاليين بسط وجهة نظرهم الشاملة حيال هذا الموضوع: نظرية "الشيطان الأكبر" المنافية للعلاقات الديبلوماسية من الأساس، والمتعارضة مع المصالح الوطنية اللبنانية، ومع طبيعة الوجود اللبنانيّ، ومع التزام لبنان للسلام الإقليميّ الشامل كهدف تاريخيّ، كلّ هذا يعني أنّ الخلاف بين الممانعين والإستقلاليين حول الموقف من الولايات المتحدة الأميركية ليس اختلافاً "تكتيكياً" بل اختلاف "جوهري". قد يقول السيد حسن نصر الله أنّ مشكلته مع الدولة الأميركية لكن الشعب الأميركيّ طيّب، وقد يعود بعد ذلك إلى وصف الشعب الأميركي بأنه مغتصب لأملاك الهنود الحمر، أما الإستقلاليّون اللبنانيّون فلا يمكنهم مجاراة هذه الأمور: الولايات المتحدة الأميركية دولة صديقة للبنان. المشكلة مع الولايات المتحدة الأميركية المتعلقة باستقالتها من رعاية عملية السلام في الشرق الأوسط ،تعالج انطلاقاً من أساس منظومة أيديولوجية معادية تماماً للممانعة، منظومة حقوق الإنسان العالمية، وحق تقرير المصير لكل شعب، والإنحياز الكامل للديموقراطية الليبرالية، في مواجهة كافة أشكال وتلاوين الإستبداد الشرقيّ.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل