دعم إيران و"حزب الله" للسلطة السورية الغاشمة ليس أصل الحكاية إنّما صورة واحدة من صُورها الكارثية الكثيرة.
مداراة اللغة، واللعب على حوافيها الحادّة، ومراعاة الذات والدنيا وما فيها، يُفترض منطقياً ومبدئياً وضميرياً يا إخوان، أن تتعطّل وتنزوي الى الخلف عندما تكون صناعة التاريخ، كما هي الحال الآن، تجري في مصانع مبنية من أجساد الناس وأرواحهم (وأي ناس!) ومسقية بدماء عزيزة وحرّة وعربية ضاربة في عمق الأصول والجذور وصولاً الى قحطان وعدنان.
على أساس تلك المرافعة الكئيبة ينطلق هذا الحُكم: ولا مرّة في ما مضى، كان الغرض السياسي لجماعة "داخلية" مكلفاً الى هذا الحدّ. وعَمَاه ضارب الى هذا المستوى. ولم يسبق أن عانى النسيج الإسلامي العام في الزمن الحديث مرضاً على هذه القدرة من الفتك والتحطيم وأصحابه لا يتورّعون عن توظيف أي شيء مهما غلا وعلا وكبُر وعظُم خدمة لمبتغاهم، لا في السياسة ولا في الدين ولا في الأخلاق الحميدة ولا في ضرّتها الأخلاق الخبيثة!.
"نكبة عربية متكاملة" الأوصاف، ترتكبها سلطة خرقاء، تحطّم دولة مثل سوريا وتنتهك كل محرّماتها الوضعية والمنزّلة، وكل ثرائها البشري، وكل بنيانها وعمرانها، ولا تترك مجالاً لأي شطط في تأكيد نيّتها تعميم الخراب، ومع ذلك كلّه، يخرج من يتباهى بدعمها انطلاقاً من فرضيّة مَرَضيّة تربط الممانعة بكلّ ذلك العدم والمقاومة بكلّ ذلك الحطام الداخلي، ثم يخطو خطوة إضافية باتّجاه تأكيد ربط مصالحه القومية العليا (؟!) بمصير تلك السلطة الفاجرة، ويُؤسّس لإضافة جرعات مذهبية مفضوحة الى التراكم التفتيتي المتنامي والمتصاعد.. ثم يُجهر بالموقف ويعتبره اصطفافاً الى جانب الحق في مواجهة الجور؟!
لا مصيبة أعمق من التوظيف السلبي للمسلّمات في السياسة العابرة، وفي اعتماد التمايز المذهبي برنامجاً نهضوياً لأمة تجد أن تحقيق طموحاتها يمرّ بتحطيم مقدّسات يُفترض أساساً أن تكون محور همومها، وأوّل "مشاريعها" وأنبل أهدافها.
… ولا مصيبة أعمق من اعتماد خيارات توصل في بداياتها ونهاياتها الى تقديم صكوك براءة لارتكابات "خارجية" تسبّبت في معظم مآسي العرب ونكباتهم الحديثة.. والإسرائيليون بهذا المعنى هم العنوان الأبرز لهويات هؤلاء المرتكبين غير أن الأداء الإيراني الأسدي الراهن يرفع الهلوسة الى مصاف المحكمة المكينة ويدفع بالكثيرين الى إعلان المقارنات، غير آبهين بالجلاوزة والبطّاشين والعسس الإرهابي الفالت تحت ستار القلم ومكرمة التبليغ الصحافية: لا تنتج تلك المقارنات إلا عاراً تاماً. و"الأرقام" لمن يشاء، لا تفعل سوى تأكيد ذلك العار وترسيخه!.
ثم بعد ذلك، وبالإذن من صناعة التاريخ: لا ضنى أكبر من التورية في زمن الوضوح!.