احتاجت إيران لإطلالة نصر الله، فخرج سريعاً من تحت الأرض، ودبّ الصوت عالياً علّه يمحي بكلّ التحريض والتهديد والوعيد صورة لبنان اللبناني، لأن السيد لأن إيران ـ التي صرّح رئيسها أحمدي نجاد ذو الأصول اليهوديّة وهذا أمر علينا جميعاً أن لا نتجاهله ـ تعتبر لبنان عضواً في جسدها ليس أكثر، من دون أن تحدّد لنا مرّة أي عضو تقصد؟! والسؤال الذي يلحّ عليّ في هذه اللحظة: لماذا لم نقرأ ولم نسمع ولم نشاهد أي تظاهرة إحتجاج ضدّ الفيلم المسيء في إيران نفسها؟!
ومن مفارقات التدهور الكبير في شعبية أمين عام حزب الله حسن نصر الله حاجته شبه الدائمة إلى من يُفسّر أو يُترجم أو يُبرّر له خطاباته وإطلالاته، والتي للمفارقة يختار الحرس الثوري الإيراني مواقيت خاطئة لها، وأحياناً مواعيد قاتلة!!
كان ثمّة حاجة لأمريْن ملحّين، وكلاهما عاجلٌ وملحّ، الأمر الأول؛ محو صورة لبنان الحقيقيّة التي استمرت لأيام ثلاثة على مرأى من العالم أثناء زيار قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر، فهذه الصورة «تُغيظ» إيران كثيراً وهي التي دفعت أموالاً طائلة جداً لإغراق لبنان بصور علي الخامنئي، وهدايا بلدية طهران، أو شعار خوش أمديد الذي «نورزت» به لبنان خلال زيارة رئيسها أحمدي نجاد إليه، وهذه الحاجة الملحّة تريد أن تُكرّس لبنان تابعاً لإيران محكوماً بأوامر الوليّ الفقيه!!
أما الأمر الثاني، فإدراة رؤوس جمهور حزب الله عن حقيقة «مقتل» أبنائهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، دفاعاً عن نظام البعث السوري الذي عانى منه شيعة لبنان ويكنون له نفس المشاعر التي تكنّها الطوائف الأخرى لهذا النظام العفن، أراد أمين عام حزب الله أن «يُغطّي السموات بالقبوات»، فخرج من تحت الأرض لزيادة «إبهار» وإقناع جمهوره بخطورة الفيلم المسيء الذي أراد أن يضخّم من ضآلته فوضعه في مستوى إحراق المسجد الأقصى!!
ومن المفترض أن يكون حسن نصر الله يعرف أنه وعبر التاريخ الإسلامي ومنذ البعثة النبويّة، لم يستطع لا كافر ولا منافق ولا اليهود ولا سواهم النيل من ذرة غبار على نعال النبي المصطفى صلوات الله عليه الذي عصمه الله من الناس وكفاه أذى الكافرين، والمستهزئين، وأن ما يوهمون الناس بأنه إساءة تلحق بالنبي ما هي إلا إساءة تصيب وجدان المسلمين ومشاعرهم ليس أكثر، وأنه صلوات الله عليه فنّد القرآن كلّ المزاعم التي اتهمَ بها رفضاً لدعوة التوحيد والإقرار بوحدانيّة الله والإقرار لمحمّد بالنبوة والرسالة.
وأحدث بدع التداعي اليهودي تحت مسمّى «توحيد الأديان» هو العودة إلى إبراهيم عليه السلام، على اعتبار أن الأديان السماوية الثلاثة تقدّم إقراراً بإله واحد، لذا يدعون إلى ما يسمونه «دين إبراهيم»، فأعداؤنا يدركون أكثر من المسلمين أنفسهم ومنذ زمن بعيد جداً أن القضاء على الإسلام لا يتمّ إلا من بوابة القضاء على نبيّنا، ومع هذا وبدلاً من أن يُراجع المسلمون أنفسهم وشهادتهم لله بالوحدانية ولنبينا بالرسالة، تراهم ينساقون خلف مشاعر غرائزية منفلتة من عقالها، ووجد حزب الله الفرصة مؤاتية للدخول في مزاد «المتاجرة» في إدّعاء إهانة لحقت بالنبيّ!!
ومن المفارقات المضحكة أن نصر الله بدأ خطابه بلازمته الشهيرة: «يا أشرف الناس وأطهر الناس»، فيما بالأمس دفعت فدية أربعمئة ألف دولار في منطقة الشياح لإطلاق سراح مواطن مخطوف قال: «لهجة الخاطفين تشبه لهجة سكان طريق المطار!! أما الجنرال فلم يجد غير مهنة الإطفائي ليسبغها على نصر الله الذي ارتبط منذ العام 2006 في ذهن اللبنانيين بصورة النار والدمار والخراب، ومن سخافة وجهل الجنرال بالحدث قرّر أن نصر الله كان له اقتراحات إيجابية وقام بدور»الإطفائي» لتنوير الرأي العام حول نوايا ناشري هذا الفيلم المسيء»، ولاحظوا مصطلح «تنوير»!!
ومن «خبثنة» الجنرال أنّه تبرّع أو طلب منه الدّفاع عن إطلالة نصر الله المتجهم منتفخ الأوداج وهو يخطب في من يهتفون غالباً بين أزقتنا بشتم أعراض النبي الكريم وصحابته ـ للمفارقة أيضاً ـ ويخطب في من يعتدون على المساجد التي تحمل أسماء صحابة أجلاء نشأ هؤلاء على مخزون من الحقد والكراهية لهم، ليقترح علينا الجنرال أن حسن نصر الله «إنسان يدعو الى التهدئة بهذه الحرارة والإيمان أن نقول عنه إنه محرّض».. الحسنة الوحيدة في جملة الجنرال هذه أنه رأى في نصر الله إنساناً فيما يراه الهاتفون له نصف إلهٍ أو «معصوماً من الخطأ»!!