هي منظومة الهرب والفلتان. ينزلق الوطن من أيادينا انزلاقا مبرمجا مخيفا. لم نتمتع بأيلول الضيعة. الضيعة هناك فوق حيث مساحات الضوء الحقيقية، حيث النساء تغرف من كل خير ممكن من الارض، لتشقعنه مؤونة الايام العاصفة المقبلة. هنا العواصف مختلفة، وان كانت الريح حين تهب تجرف معها كل المسافات، فوق في الضيعة، وتحت في المدينة.
فوق لا نسمع هدير الشاحنات ولا نرى حوادث السير المميتة بام العين، بل نسمع عنها ونراها على التلفزيون او الانترنيت، فوق لا نشم ر ائحة الدواليب والفرامات الحامية حين تقف السيارات "المفيّمة" فجأة، ويقفز منها مسلحون مجهولون، دائما مجهولون، ويطوقون مواطنا عاديا، مصيبته انه عادي وانه لبناني ، ويخطفونه في وضح النهار وبوجوه سافرة، ولا يطلقونه قبل تلقي فدية مالية ( كما حصل مع المواطن يوسف بشارة حيث دفعت عائلته فدية في وضح النهار في مار مخايل –الشياح)، يعرفون مسبقا ان أهله سيشحذون الطرق ويتسولون الناس والزعماء لتأمينها في حين تنام الدولة، تنام عميقا في العجز وقلّة الهيبة والـ لا حول ولا قوة…
لا رائحة لايلول في وطن حراس الثورات، ثورات هجينة دخيلة علينا وعلى معتقداتنا وقيمنا، وحراس هم ليسوا بحرّاس، يسرحون في طول الارض وعرضها بحجّة حماية حماة الوطن، وليس المقصود هنا الجيش بالتأكيد، فحيث يسكن أيلول فعلا لا يعيش هؤلاء "الحرس" ولا مكان لهم بين الزعتر الاخضر ومربى التين وخلّ التفاح، مكانهم الليل والويل…
كل شيء ينزلق بعنف الى الفلتان، الى الهروب من كل ما هو حلو ودافئ، الى نكران أيلول، الى تدبير غير مؤون، مؤون مستوردة محشوة بالبارود وبجثث الناس، وأيضا بقوانين تُخيّط تماما على المقاسات غير الميّاسة التي تتحكم بالاشهر والايام، وبحكومة تتحرك بسبعة أرواح ولكل روح فيها ألاف الارواح المناصرة، المسلّحة بالفساد المدججة برقاب الناس….
ورق أيلول الاصفر لا يتدلّى من شبابيك الخريف، ولا يسترق النظر الى بيوتنا عبر البرداية الدانتيل المتدلية، ورق ايلول ينهمر بخشونة صراخا وعويلا وحرق دواليب وتحطيم ممتلكات وقطع أرزاق الابرياء، بحجة الدفاع عن الاسلام وهو منهم براء. فيلم سخيف سفيه تحوّل الى قميص عثمان يتمسّك به من يريد أن يعوّم شعبية تحوّلت الى كراهية عامة، علّه علّه بالصراخ والوعيد يلملم ما خسره على دروب النظام السوري، وان كان حتى الان لم يلملم عناصره المنتشرين كالموت في قلب الشام، دعما لنظامها الفتّاك بالاسلام والمؤمنين.
أيلول في الضيعة ما زال يطرّز حكايات الحنين، يشقع الامل لايام الشتاء المقبل، ولكن أصوات النشاز تنخر تلك الصورة الحلوة، أصوات مسؤولين وزعماء متحوّلين كحرباء تتسلق ما تظنه انه قمم، وهي في الواقع تبقى لصيقة بالارض. زعماء ينكرون الحقيقة الناصعة المتجليّة أمام عيون الله والناس، فقط علّهم يجلسون لعمر، للحظة فانية، الى سلطة ولو على مصير كرامة شعب. وين في حرس ثوري بلبنان؟؟ مين الجعفري؟ وين أخطأ نصرالله؟؟!…
على وقع حفيف أيلول جاء البابا رسول سلام، حلم الايام الثلاثة خبا وهو بعد على أرض المطار يلوّح مودعا. رحل معه حنان أيلول ودخلنا في رحيل آخر، رحيل بالقوة مفروض على كل لبناني. مسافرون ونحن بعد لم نطأ الطائرة، مهجّرون ونحن بعد فوق ذات التراب، ومع كل ذلك، مع كل ذلك، نهرب في اتجاه أيلول الضيعة، نشقع مؤونة الكرامة كي لا تفرغ خوابينا من الخيرات، لنواجه عواصف كانون ونحن نتمتع بقوة الدفء.
