كثيرة هي الرسائل التي وجّهها الحبر الأعظم خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان، والتي أعطت الأمل والرجاء إلى كثير من اللبنانيين في وقت كانت الظلمة السياسية تخيّم عليهم بفعل الانقسامات اللبنانية التقليدية التي لا تنتهي، وبفعل عدم قدرة القوى السياسية اللبنانية على بناء الحدّ الأدنى من التفاهمات الوطنية التي تتيح العيش بسلام واستقرار وهدوء.
البابا جاء ليقول للّبنانيّين وللمسيحيّين منهم بالتحديد إنّهم ليسوا مواطنين درجة ثانية أو ثالثة، مذكّراً في الإرشاد الرسولي بالأدوار المتقدّمة التي لعبوها بمراحل عديدة سابقة في النهضة العربية.
غنيٌّ عن القول إنّ هذه المقاربة يفترض أن تضع حدّاً لنظرية الأقليات التي تنادي بها بعض الأطراف والتي تستبطن الاحتماء بهذا النظام أو ذاك. فمفهوم الأقلّية، من حيث التعريف، مرتبط بالأكثرية، أي أنّها أقلّية قياساً إلى الأكثرية، أكان عدديّاً أم غير عدديّ.
والأقلّيات تشعر دائماً بالخوف وتتملّكها عقدة النقص والخوف الدائم من الاضطهاد والقهر، ويذهب بها الأمر إلى الإحباط والانكفاء السياسي، وهذه مسألة تتيح الاستغلال من جهات متعددة تجيد اللعب على الوتر الطائفي وتمتهن تطبيق سياسة التخويف ليتسنّى لها تطبيق سياسة "الطمأنة"!
إنّ انكباب اللبنانيين على دراسة كلّ محاور الإرشاد الرسولي ضروريّ جدّاً لأنّه سيساهم في فتح آفاق مرحلة جديدة يتمّ خلالها طرد الموروثات السابقة التي ارتكزت عليها الكثير من السياسات والمواقف. وإذا كان من مسؤولية الكنيسة الاهتمام في الشقّ الروحي والكنسي واللاهوتي، فإنّ على اللبنانيين جميعاً مسؤولية البحث الجدّي في سبل تلقّف عناوين ومضامين كلام البابا وترجمته عمليّاً.
الترجمة العملية تكون بالدرجة الأولى من خلال الالتفاف حول الدولة، بعكس ما تجيد القيام به بعض القوى السياسية من الالتفاف على الدولة. الدولة هي المرجعية الوحيدة القادرة على تبديد هواجس ومخاوف شرائح كبيرة من اللبنانيين، وهي الوحيدة التي يمكن من خلالها إعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والوطن.
من النقاط التي يمكن أن تعيد ثقة المسيحيّين بالدولة هي التمسّك بوثيقة الوفاق الوطني اللبناني أي اتّفاق الطائف الذي جاء ليحسم عدداً من النقاط الخلافية التاريخية بين اللبنانيين: نهائية لبنان وعروبته، وصيغة المناصفة بين المسلمين والمسيحيّين. وإذا كانت التجربة السابقة غير مكتملة العناصر لناحية إجراء تقويم دقيق لهذا الاتفاق، فإنّ الرأي الغالب بات شبه حاسم لناحية ضرورة تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية من دون المسّ بجوهر الاتّفاق.
كما أنّه من الممكن التفكير في إنشاء صندوق لشراء الأراضي، بما يحافظ على التنوّع الديموغرافي والسكّاني في المناطق المختلطة، ويحول دون أن تتركّز الجهود على تحويل مناطق معينة إلى مناطق "صافية"، وهو يساهم في الحفاظ على التنوّع والتعدّدية التي لطالما تميّز بها لبنان.
وإذا كانت هذه المقترحات هي برسم المجتمع المسيحي بكنيسته وقواه السياسية وهيئاته المدنية، فإنّ المسلمين أيضاً مدعوّون إلى الحفاظ على صيغة العيش المشترك، سواءٌ أكان على المستوى السياسي الذي يترجم تأكيداً على المشاركة والمناصفة، أو على المستوى الميداني من خلال الترفّع عن شراء الأراضي واستغلال الهجرة عند المسيحيّين أو سواهم. فالحفاظ على التعددية يصبّ في مصلحة المسلمين تماماً كما يصبّ في مصلحة المسيحيّين.
إنّ قيام الدولة يشكّل متنفّساً لجميع اللبنانيين، بمن فيهم الذين قد يعتبرون أنفسهم أقوى منها في لحظة معيّنة. ومن قال إنّ معيار القوّة هو المسدّس فقط؟!