#dfp #adsense

البابا – الإرشاد والرّئيس – الدولة و… لبنان – الرِّسالة

حجم الخط

بين ما حَمَله البابا بنديكتوس السَّادس عشر وما عبَّر عنه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ثمّة حاجة إلى ترجمةٍ عملانيَّةٍ لهذا التّلاقي في المُقاربات الاستراتيجية.
فبين ما حَمَله البابا الى اللبنانيّين والمشرقيّين مسيحيّين ومسلمين ويهوداً من توصياتٍ محورُها صونُ كرامة الإنسان من خلالِ إرساءِ السَّلامِ بالعدل والعدالة الاجتماعية. وما عبَّر عنه رئيس الجمهورية بنبرةِ رجلِ الدولةِ الواثق الخُطى من مواقِف حاسِمة لجهة حيادِ لبنان الميثاقيّ، والتزام دَعم القضية الفلسطينية وعمادُها دولةُ فلسطين وعروبةُ القُدس وعودة اللاجئين، وترسيخ وقوفِ لبنان الى جانب حقّ الشعوب العربية بالحرّية والديموقراطيَّة، خُلوصاً الى الرّكون لاحترامِ التعدُّدية الدّينية والثّقافية والمجتمعية بتوافقية التَّلاقي من مُنطلقِ رسوليَّةِ لبنان في العيش معاً، بينَ بينَ ثمَّة حاجة مُلحَّة لينطلق اللبنانيّون، وبمنأى عن الاكتفاءِ بالمشهديّة الاحتفالية الكثيفة المعاني التي رافقت أيّاماً ثلاثة من بياضِ الرَّجاء، ثمّة حاجة الى ترجمةٍ عملانيَّةٍ لهذا التَّلاقي في المُقاربات الاستراتيجية، ولا بدَّ من أن يتِمَّ ذلك على مستوياتٍ ثلاث متكاملة. المستوى الأوّل مرجعيَّته القيادات ُالروحيّة. والمستوى الثاني مبادرتُه القياداتُ السياسية. والمستوى الثالث ديناميّتُه الرأيُ العامّ. المستويات الثلاثة مُتساويةٌ في المسؤولية، وقد يكونُ الرّأيُ العامّ مطالباً بالكثير في هذا السياق.

في أيِّ حال، فإنّ الكنائس المشرِقيّة الكاثوليكية التي ائتمنها قداستُه في الإرشاد الرسوليّ مدعُوَّةٌ، وبعد خُطوةِ لقاءٍ فعليَّة مع الكنائس الأرثوذكسيّة الشَّرقية، والأرثوذكسيَّة، والإنجيليّة إلى أعادةِ النَّظر، وبحِكمَة، في كيفيّة مواكبة الرَّبيع العربيّ، خُطاباً وفعلاً، وتحتلُّ المؤسساتُ التربويّةُ والاجتماعية لهذه الكنائس تحديداً موقعاً استثنائياً في عمليَّة إعادة النظر هذه، كما أنّ مُخاطبة المسيحيّين بعُقُولهم أكثر منه بقلوبهم أو على الأقلّ بالتَّوازي، وذلك من خِلال الغَوص والتبصُّر في معاني الهُويَّة – الوجود، والحضور – الشهادة، والبقاءِ – المقوِّمات، أمست كيانيّة، ويجبُ أن لا نستعيد تجرِبَة مَتحَفة الإرشاد الرَّسوليّ الخاصّ بلبنان، والذي تسلَّمناهُ منذُ خمسة عشَرَ عاماً، ونحنُ نعودُ إليه روحاً، ورُبَّما بتنا نستأهِلُ فيه من كنائسنا جردةَ حسابٍ تقييميّة أكثر منه استِرسالاً في الارتياحِ إلى مضامينه لفظيّاً.

وبالقدرِ عينِه الذي يجِب أن نتطلَّع فيه إلى تحمُّل القيادات الرُّوحية المسيحيّة مسؤوليَّاتها في هذه الحقبَة الاستثنائية من تاريخ العالم العربيّ، بالقدر عينِه يعنينا أن تَقوم القيادات الروحية الإسلاميّة بمبادرة رياديَّة لحسمِ الجدل حول خياراتِهم – الثوابِت في ما سيلي هذه المرحلة الانتقالية الرَّجراجة لِجهة الاستنادِ الى الدَّولة المدنية نِظام حكمٍ، والموطنة هويَّة قانونيَّة لأفرادِ هذه الدولة المدنيَّة، وقد تكُونُ مرجعيَّتا الأزهر والنَّجف مَحجَّتي هذه الخياراتِ الثوابت، عسى تتحرَّكان دون تأخُّرٍ في ذلك. وفي الوقت عينه، ومع مواكبة ارتداداتِ مواجهةِ فيلم "براءَة المسلمين" الدّنيء الخبيث، فأنه من المُلِحّ أيضاً لهاتين المرجعيَّتين، مع المرجعيّات المسيحية العربيّة والغربيّة، إلى جامعة الدُّول العربيّة والأمم المتحدة، التَّصويب على خيار احترامِ الإرثِ العقائديّ والتَّاريخيّ والحضاريّ للأديان، وتفادي الانزلاق في ردَّاتِ فعلٍ عُنفيَّة قد تسيءُ إلى هذا الإرث. الردُّ القانونيّ هو الأجدى من استنفار الشارع المحتقِن أساساً اقتصاديّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً.

أمّا القياداتُ السياسيّة، والتي أصغَت للإرشادِ الرسوليّ وهلَّلت لزيارة قداسةِ البابا، فهي مدعوَّةٌ إلى إنهاءِ حالةِ المساومةِ والمراوحةِ التي تعيش، ما ينعكسُ كارثياً على البِلادِ والعباد، وإنَّ ما أعلنَ عنه رئيس الجمهورية في خُطابَيهِ التّاريخيّين عند استقبال قداسة البابا كما في القصر الجمهوري، مرفوداً بمواقفِه الحاسِمة على امتداد ما يُعانيه لبنان على كلِّ الأصعدة، يجبُ أن يشكّل خارِطة طريقٍ عملانيّة لإنقاذِ ما تبقّى من لبنان – الدَّولة، بُغية إعادة استَنهاضِ الدَّولة المشلولةِ الهيبة والمستباحة السيّادة والمُنتهكةِ بحُقوقِ مواطنيها. إعادة استنهاضِ الدَّولة وحدَها كفيلة بحماية لبنان من العودةِ ساحةً لتصفيَة الحسابات الإقليميّة والدَّوليَّة وصندوق بريدٍ مُدمِّر.

الرئيس سليمان يُثبِت يوماً بعد يوم، أنَّه المؤتَمَنُ على الدولة، والكتلةُ المدنيةُ الصامتة في كلِّ الطوائف تقِفُ إلى جانبِهِ وتشُدُّ على يدهِ، لكن على عاتقها هي أيضاً يَقَع واجبُ التحرُّك وبديناميَّة استثنائية.

لبنان – الرِّسالة ينزف وتعنيه قيامةٌ صادقة… آن أوانُ العمل!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل